القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

البرنامج النووي الإيراني: ما بين الخيال والحقيقة


أولاً: تطور البرنامج النووي الإيراني:

   شرعت إيران في برنامجها النووي أواسط سبعينيات القرن الماضي، عندما دشن الشاه السابق "محمد رضا البهلوي" مشروعه الطموح للطاقة النووية ليكون دعامة لإرساء ما وصفه بــــــ "الحضارة الإيرانية الكبرى" وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي السابقة بعرض بناء خمسة مفاعلات كهرونووية، ولكن كانت التكلفة عالية جدا للمفاعلات النووية الأمريكية جعلت الشاه يفضل عرض الشركة الألمانية "كرافتورك يونيون سيمنس"، ولكن مع اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م، توقف الألمان عن تكملة المشروع، ومع تصاعد حدة القتال بين إيران والعراق في حرب الخليج الأولي، قامت العراق بقصف المفاعلين "مفاعلي بوشهر" عام 1987م.
   وعليه، خلقت الحرب العراقية-الإيرانية دماراً كبيراً في البنية التحتية الإيرانية، فلذا كان أول أولويات الدولة الإيرانية بعد انتهاء الحرب عن البحث عن العقود السابقة لبناء مفاعلات نووية لتوليد الطاقة الكهرونووية، ولكن لم تقبل أي دولة غربية أن تقوم بإكمال المشروع النووي الإيراني، إلا الاتحاد السوفيتي الذي كان يري في إيران حليفاً جيداً يمكن أن يضيفه إلي حلفائه في العالم الثالث.
   وبالفعل بدأ التعاون بين الدولتين عندما شرعت روسيا في تدريب الفنيين الإيرانيين والعاملين في ميدان الفيزياء، وتوزيع المنشآت النووية الإيرانية في أماكن سرية مختلفة تخضع للسيطرة العسكرية، وقد بدأ العمل بها قبل عامين من تفجيرات 11 سبتمبر 2001م.
   وتزامناً مع زيارة الرئيس الإيراني السابق خاتمي لروسيا، أعلنت روسيا بناء ثلاث مفاعلات نووية بتكلفة تقدر بحوالي بليوني دولار بالإضافة إلي محاولة إيران الحصول علي احتياجاتها التكنولوجية والنووية من خلال، التفاوض السري وذلك عن طريق إرسال وفود تقوم بزيارة بعض البلدان لشراء المعلومات النووية والاستعانة بعشرات الخبراء الروس وأيضاً التعامل مع السوق السوداء للتكنولوجيا النووية وذلك من خلال مساهمة عبد القادر خان*، وكذلك التقاء في العلن مع دول لا تحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية.
   وفي عام 1996م، قد شرعت إيران في بناء منشأة لإنتاج الماء الثقيل في مدينة آراك (وسط إيران)، ولكن بدأ إنتاجه في عام 2006م، بعد أن كشفت المعارضة الإيرانية عنه في 2002م، كما أن إيران بدأت في إنشاء مفاعل من تصميمها بقدرة 40 ميجا وات القرب من هذه المنشأة يعتمد في تشغيله علي الماء الثقيل واليورانيوم الطبيعي المتوفر في إيران، وأيضاً تم الكشف عن منشأة "نطنز" لتخصيب اليورانيوم، ومنذ ذلك الحين دخل البرنامج النووي الإيراني منعطفاً جديداً باتت معه الدول الكبرى تنظر بعين الريبة والشك إلي الأنشطة النووية الإيرانية، فيما شددت الوكالة الدولية من رقابتها علي تلك الأنشطة النووية، ليفرض الملف النووي الإيراني نفسه كأحد الملفات العامة علي الساحة الدولية، ومع تطور الأحداث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أن البرنامج النووي لإيراني ما هو إلا ستار لبرنامج نووي عسكري يهدف إلي إنتاج القنبلة النووية.
   في حين أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقريرها (65/2011/VOG) الصادر في 8 نوفمبر 2011م إلي وجود مؤشرات واضحة تدل علي أن إيران قامت بالعديد من الأنشطة والتجارب من أجل تطوير سلاح نووي ووضع تصميم لقنبلة نووية، إضافة إلي إجراء أبحاث تضمنت نماذج محاكاة بالكمبيوتر لا يمكن أن تستخدم إلا لتطوير صاعق لقنبلة نووية.
   وقد أعلن مجلس الأمن فرض أربع حزم من العقوبات الدولية ضد إيران، بالإضافة إلي العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وصدور أحد عشر قراراً من مجلس المحافظين التابع للوكالة بخصوص تنفيذ الضمانات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، فضلاً عن الجهود الدولية الأخرى بما فيها المفاوضات بين إيران والترويكا الأوروبية (بريطانيا-فرنسا-ألمانيا) وكذلك مجموعة "5+1" (الولايات المتحدة الأمريكية-الصين-روسيا-بريطانيا-فرنسا-ألمانيا)، وكل ذلك لم يفلح في إقناع إيران بالتخلي عن أنشتطها المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وامتلاك تقنية دورة الوقود النووي كاملة، في حين تعلن إيران إنها تهدف من وراء برنامجها النووي إلي تأمين 20% من الطاقة الكهربائية التي تحتاجها البلاد، وخاصة في ضوء الزيادة السكانية المتزايدة والخطط الاقتصادية الطموحة للبلاد.
   وعليه، يمكن القول بأن البرنامج النووي الإيراني قد مر بأربع مراحل:
-المرحلة الأولي: مرحلة النشأة وإقامة البنية الأساسية (1968-1978).
-المرحلة الثانية: مرحلة عدم الاكتراث أو اللامبالاة بالطاقة النووية مع قيام الثورة الإسلامية الإيرانية (1978-1985).
-المرحلة الثالثة: مرحلة الاهتمام الجزئي حيث بدأ البرنامج النووي الإيراني يشهد منذ بداية الثمانينات مزيداً من قوة الدفع (1985-1991).
-المرحلة الرابعة: مرحلة الاهتمام الكثيف بالطاقة النووية وذلك منذ بداية التسعينات إليالأن.
   لذلك يعد الملف النووي الإيراني من أبرز القضايا علي الساحة الدولية، وعلي الرغم من الضغوطات التي تواجهها إيران حول برنامجها النووي إلا إنها مصره علي الاستمرار في إنشاء البرنامج النووي، علي الرغم من وجود مخاطر لا تتعلق بمستقبل النظام السياسي فيها فحسب، بل بمنطقة الشرق الأوسط بأكملها.
ثانياً: الأهداف والدوافع المحركة للبرنامج النووي الإيراني:
   تتحرك السياسة النووية الإيرانية في إطار مجموعة معقدة من الدوافع والنوايا بعضها معلن والأخر منها غير معلن،
1.الدوافع الاقتصادية:
   تتبني طهران استراتيجية تتعلق باقتصادها الوطني، حيث تهدف إيران إلي تأمين 20% من الطاقة الكهربائية التي تحتاج إليها البلاد من الطاقة النووية وذلك في ضوء الزيادة السكانية المطردة وكذلك سياسة تنويع مصادر الطاقة عدا النفط الذي سينضب يوماً ما، اما ستحرم إيران فعلياً من دخلها الحيوي من الصادرات النفطية، لذلك بناء المفاعلات سيحد من استهلاك تلك الطاقة وسيساعد بدوره في الحفاظ علي المخزون النفطي وتصديره للخارج
2.الدوافع السياسية والاستراتيجية:
   لم تعارض الدول الغربية البرنامج النووي في فترة حكم الشاه، ولكن المرحلة التي شهدت نجاح الثورة الإسلامية ظهرت فيها اعتراضات من الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وترجع رغبة إيران الإسلامية من امتلاكها السلاح النووي هو تحقيق الاستقرار مكانة متميزة لها علي الساحة الإقليمية والقيام بأدوار متعددة أبرزها المشاركة في ترتيبات أمن الخليج وتحقيق الاستقرار في منطقة شمال غرب أسيا والاستفادة من التحولات الجارية في النظام الدولي، واستغلال حالة الفراغ الأيديولوجي لوضع استراتيجية استقطابية في العالم الثالث، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومواجهة الولايات المتحدة الأمريكية علي أساس قيمي مستمد من الإسلام.
   لذلك لم تبني إيران سياستها الخارجية في إطار الدبلوماسية كمرجع لبناء صرحها الإمبراطوري في المنطقة، بل كانت تهدف من خلال امتلاكها للطاقة النووية إلي عناصر رئيسية وهما:
-امتلاك قوة عسكرية.
-تعزيز المكانة السياسية الإقليمية والدولية.
-الأمن والاستقلال الكامل.
3.الدوافع العسكرية:
   يعتمد هذا العنصر علي الدروس المستفادة من الحرب العراقية-الإيرانية والتهديدات الأمريكية الإسرائيلية لإيران، وأبرزها أن إيران لابد أن تستعد لأية احتمالات في المستقبل كما تسعي من خلال امتلاكها برنامج نووي إلي حماية دورها الإقليمي، وتوسيع هذا الدور ليكون للجمهورية الإسلامية حضوراً لا يقل وهجاً عن الهالة النووية المعطاة للهند وإسرائيل وباكستان.
4.الدوافع القومية والدينية:
   ترتبط تلك الدوافع بدافع قيمي، غير مادي، ويبدو أكثر وضوحاً لدي المتشددين من الإيرانيين، حيث يعلو لديهم هدف استحضار فكرة الإمبراطورية من خلال الشعور القومي الإيراني بوجه عام، ولذلك تتعدد دوائر اهتمام إيران في سياستها الخارجية، بحيث امتدت إلي إفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما أنها تعتمد علي الجانب الديني من أجل تأثيرها علي الشيعة في العالم، وعليه، يعتقد الإيرانيين بأن التهديد ليس مادي في حقيقة الأمر، إنما هو يتعلق ببقائها كدولة إسلامية ذات ثقافة شيعية، الشيء المترتب علي الدوافع القومية والدينية لإيران يقوم علي أساس تعزيز مكانتها في المنطقة إلي جانب تعزيز قوتها الاستراتيجية وكذلك تصحيح الخلل في موازين القوي والذي يتمثل في امتلاك ثلاث قوي إقليمية للسلاح النووي وهي (إسرائيل-الهند-باكستان).
ثالثاً: القيود والمعوقات التي تواجهه البرنامج النووي الإيراني:
هناك العديد من القيود التي تقف عائقاً أمام امتلاك إيران التكنولوجيا النووية، منها:
1.تردي الأوضاع الاقتصادية يقف عائقاً أمام إيران للسير قدماً في تطوير برنامجها النووي، لاسيما إنه باهظ التكاليف وإيران أحوج إلي تلك الأموال لبرامج التنمية في ظل انخفاض أسعار النفط وانخفاض في معدل النمو الاقتصادي.
2.اعتماد إيران في برنامجها النووي عليالتكنولوجيا النووية الروسية والصينية، وهي متدنية نسبياً مقارنة بالتكنولوجيا الغربية، بالإضافة للضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية علي روسيا والصين لوقف التعاون النووي مع إيران.
3.مواجهة إيران مشكلات كبيرة في الحصول علي المواد الانشطارية، وتحويل المواد النووية التي بحوزتها إلي أسلحة، أي وضع العامل النووي في قنبلة أو رأس حربي صالح للاستخدام بصورة أمنة وفعالة وموثوق بها.
4.افتقار إيران إلي الخبرات الفنية الوطنية في مجال التكنولوجيا النووية، واعتمادها علي الخبرات الصينية والروسية والباكستانية لسد هذا النقص.
5.التغيير المتكرر للمسؤولين عن البرنامج النووي الإيراني، بالإضافة إلي ما تعاني منه إيران من بنية أساسية نووية هزيلة، وكذلك صعوبة الحصول علي اليورانيوم والبلوتونيوم اللازم لإنتاج السلاح النووي
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات