القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار



صَرْخة نملة


بقلم/ علاء محمد عبد العزيز 

في جدار منزل عتيق، لرجل عجوز قارب السبعين من العمر يَقْطُنُ منزله وحيداً، وفي عزلة تامة بعيداً عن ضجيج العالم الخارجي وعجيجه. 

اجتمعت جماعة من النمل في مستعمرة صغيرة أشبه بجُحر صغير يَتَغَذَّوْنَ أحياناً على ما يتساقط من يدّ هذا العجوز الهَرِم من طعام نتيجة رعشات يديه كلما حمل طبق من الأرز أو بعض حبات السكر المتساقطة أو ما شابه ذلك من بقايا طعام التي يتم جمعها من خارج بيتهم. 

سألت النملة الأم ( الملكة ) - وكانت كبيرة العمر في عامها الخامس والعشرين - كم حبة من كل نوع من الغذاء يتبقى لدينا ؟! 

-أجابت إحدى الشغالات وكانت أكثرهن خبرة؛ نمتلك من الطعام ما يكفينا على نحو شهرين تقريباً يا مولاتي الملكة. 

-النملة الأم، إذاً فاستعدّوا للخروج لجلب مخزون العام فقد أوشكت الكمية التي اختزلناها للشتاء من الصيف السابق على الفناء، وها هو الصيف اللَاحِق يُلوح بيَدَيْهِ من بعيد يُعلن قدومه. 

-قالت نملة يا أيها النمل الويل لنا سَنُخالط بني البشر مرة أخرى، سنخالط هؤلاء القَاسِيَةِ قُلوبهم مرة أخرى، إنهم لا يعوفون للرحمة طريق. 

-شَقَّ المشهد نملة في رَيْعَانُ شبابها يلقبونها ”سقراط“ لحكمتها، وفصاحة كلماتها وإطَّلاعها الدائم على مُجريات الأمور، يبدوا عليها شعور الإِمْتِعَاض ممزوج بالشفقة والحُزن، قالت دعكِ من بني البشر اتركيهم وشأنُهم، فهم الآن يُضْربُ بهم عرض الحائط. 

-سألت تلك الغاضبة وكيف يحدث هذا ؟ هل قامت حرب أخرى كالحروب التي سمعناها من أسلافنا؟! 

-قالت ”سقراط“ لا الأمر ليس كذلك إنهم يخوضون حرب ضد شيء لا يُرى بالعين المجردة عند البشر، أصغر من النمل. 

-قالت ساخرة ومتعجبة وهل يوجد في الكون أصغر منا؟! 

-نعم يوجد ما هو أصغر من النمل بعشرات المرات؛ فيروس دق وجل على النظر، فيروس يطلقون عليه ”كورونا“ هو الذي مزق شملهم، وألزمهم مساكنهم كما يفعل بنا شهر الشتاء وقطرات المطر، صرخت النملة لكن لعلهم يتعظون 

-لماذا كل هذه القسوة لبني البشر؟ سألت في تعجب! 

-ليست قسوة كما تعتقدين، بل غضب وحزن على غباء الإنسان وتكبره وغروره، فعندما استشرى الشر وخيم الخراب، وكَثُر الفساد وأصبح بالأمر الهَيِّن، وأصبح الظُلم يُمارس عَشِيَّةً وضُحَاهَا، وانتشر الكُره وسفك الدماء، صرخت الطبيعة غير راضية عما يحدث فيها من كل هذه الأفعال المُشينة، والأرض كذلك أرادت أن تتطهر من الخراب، لقد اختلط الحابل بالنابل على وجه هذه المعمورة. صرخت النملة باكية لعلهم يتفكرون، ليت الإنسان يعرف حجمه الحقيقي، لقد تكبر وعسى في الأرض فساداً بغير وجه حق والآن يجب عليه أن يستيقظ من غفلته. فهذا الوباء يحمل بين طياته رحمة الخالق رب سليمان فهل من عاقل يفهم المغزى. 

- أرادت الملكة أن تضع حداً لهذا النقاش الذي يزداد حدة لحظة بعد لحظة فقالت: عليكم الاستعداد الآن للخروج لجلب الطعام، فانطلقت جماعات النمل في شكل مُنظم أشبه بجيش على رأسهم قائدهم يتقدم في صدر الموكب ذاهبين إلى منزل قديم يعرفونه منذ زمن يجدون فيه كل ما لذ وطاب من الطعام. 

وإذ بهم يجدون شيئاً ضخماً أمام شجرة عتيقة أوراقها خضراء، تتساقط الثمار من غصونها، توقف الموكب وبأمر من قائدهم تقدمت جماعة إلى ذلك الشيء لاكتشافه، والجميع ينظر في خوف من أمر ذلك المجهول، وبعد مُدة من الوقت ليست بالطويلة اتضح لهم أنه جسم ”صرصار“ قد وافته المنية منذ أكثر من يومين، فرح الجميع بذلك وبدأوا يهتفون كأنهم جنود في معركة قد حصلوا على غنيمة ضخمة. البعض أخذ تلك الوليمة عائداً بها للجُحر والبقية استكملوا رحلتهم لجلب المخزون من الطعام. 

ولم تكتمل الساعة قبل وصولهم إلى البيت وشرعوا يقسمون أنفسهم إلى فرق، البعض منهم سيدخلون المطبخ والبعض الآخر سيبحثون عن الطعام في الأطباق الفارغة، والبعض الآخر مسؤولون عن إحضار حبات السكر المتساقطة على الأرض. ظلوا يعملون طيلة اليوم ذهاباً وإياباً حتى تمكنوا من إحضار كمية لا بأس بها من الغذاء. 

كان يقطن هذا البيت رجلاً وزجته واثنين من أبنائه الذكور في مقتبل أعمارهم، كان الرجل جالساً على مكتب من خشب الزان وسط حجرته وفي يديه جرنال يطلع على مجريات الأمور وتطورات هذا الوباء، بقامته المتوسطة النحيلة والوجه الغامق السمرة وعيناه البراقتين والشعر القصير المفلفل ووجه العَابِس الذي ينبعث منه غضباً شديداً انعكاساً لقراءته للأحوال السيئة التي تقع من حوله. صعدت نملة جسد هذا الرجل وتمنت لو أن هناك مصعد كما في ناطحات السحاب الطويلة، وبعد عناء طويل وصلت إلى أعلى جسده لتنظر ماذا يقرأ؟ فوجدته يقرأ عن أعراض هذا المرض المستشري بين البشر فما لبثت أن انتهت هذه النملة من القراءة حتى سمعت صوتاً كبيراً مصحوباً بقوة هائلة جعلتها تسقط على الأرض فقد أخد هذا الرجل شهيقاً عميقاً ثم صاحبه زفيراً أعمق جعلته يعطس بقوة، مر الوقت وهذه النملة ملقاة على الأرض كأنها في نوبة من الإغماء، وبعد أن فاقت وهي تشعر بصداع شديد في رأسها حاولت العودة لجُحرها فقد ذهب أصدقائها عائدين بالطعام وذهبوا وتركوها لأنها شقت صفوفهم بالمعارضة حينما صعدت على جسد هذا النحيل. عادت والجميع يترقب وصولها فما لبثت ودخلت الجُحر حتى تسابق الجميع كي يسألها عن سبب غيابها البعض طرح عليها قائلاً هل ضللتي الطريق وقال البعض الآخر في شيء من الفُكاهة أم أنكِ قد تعثرتي في قطرة ماء ونحن نعلم جيداً أنك لا تُجيدين السباحة كأغلب النمل، وشق هذا الضجيج صوت الملكة قائلة هل أنتِ بخير يا ” سقراط “؟! أجابت قائلة في شيء من الفتور نعم بخير مولاتي الملكة لكن أشعر ببعض التعب الذي ربما يزول مع بعض الراحة فأنا أرغب في الهُجُوع الآن. فسمحت لها الملكة بالذهاب ثم تفرق الجميع إلى مضاجعهم لأنه كان قد حان وقت النوم خاصة أن العشاء كان دسماً بعض الشيء. 

وفي صباح اليوم التالي استيقظ الجميع مبكراً يتأهبون للخروج فرقة منهم لجمع الطعام والفرقة الأخرى من الشغالات يتولون تربية الصغار والبعض الآخر يكون في خدمة الملكة الأم، غير أن شيئاً غريباً قد حدث ” سقراط “ ليست موجودة بين الجميع لتناول الفطور. فأمرت الملكة بعض الشغالات للذهاب لينظروا ما في الأمر وبالفعل ذهبت بعض الشغالات لمرقد سقراط فإذا بها تتصبب عرقاً مع ضيق في التنفس، يهاجمها ارتفاع في درجة الحرارة وسعال شديد. 

فأبلغت إحداهما الملكة عما وجدوه وأمرت الملكة بإحضار الطبيب ليكشف عن سبب هذا المرض وبعد فترة وجيزة جاء الطبيب إلى الحجرة وكان طبيب الملكة الخاص فتفحصها وهو في ذهول يخالطه شعور بالارتباك عما يحدث فزيادة ضربات القلب مع الأعراض السابق ذكرها أمر خطير لم يسبق له وتعرض لمثل هذه الأعراض من قبل. 

ثم قال الطبيب في صوت خافت مولاتي الملكة لم يسبق لي وكشفت عن مثل هذا المرض أو ما هو العلاج له، ولكن هناك عقار في جُعبتي سأعطيها إياه فسيخفف من الألم والأعراض بعض الشيء، لكن يجب نقلها إلى العيادة الخاصة بي كي أتولى أمرها، فهي حالة حرجة ومستوى متدني من الصحة، وبالفعل حملها أربعة من الشغالات إلى عيادة الطبيب. 

وبعد ساعات من اعطائها جرعة الدواء استردت الوعي قليلاً بما يسمح لها الحديث، لكن ظل ضيق التنفس قابع في صدرها ملاصق لها لم يتكرها، أمرت الملكة أن تراها لكي تتحدث معها وحينما سألت سقراط عما يحدث لها وماذا أصابها وكان في نفسها شيئاً تريد لو لم يصبح حقيقة وتذكرت ما قرأته في ليلة أمس وهي واقفة على رأس ذلك الرجل صاحب البشرة السوداء، وحينما أخبرها الطبيب عن الأعراض التي لاحظها عليها وقع الخبر عليها وقع الصاعقة وصرخت في شيء من الخوف لقد أصابني الوباء كبني البشر. 

فسألتها الملكة في استنكار لما قالت ماذا حدث؟! 

فأخبرتها سقراط عما قرأته من أعراض هذا الوباء وعن العزل الذي يُفعل للمصابين ومن يخالطهم، ثم ما لبثت أن تُكمل الكلمة ثم قالت هل لمسني أحداً غير الطبيب؟! 

فقالت الملكة في دهشة شديدة نعم بعض الشغالات، فقالت سقراط وأين هم الآن، ردت الملكة البعض منهم خرج لجمع الطعام، والبعض الآخر ذهب لرعاية الصغار فصرخت سقراط قائلة لقد تفشى الوباء في كل أركان الجُحر، لقد هلكنا جميعاً. 

وكان الأمر كما تصورت فعلاً فبعد عودة الجميع من الخارج بدأت أعراض المرض تظهر عليهم جميعاً كشبيهتهم سقراط وبدأ الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، واستشرى الفيروس بينهم فقد مات البعض منهم والبعض الآخر ينتظر دوره من ذلك الشبح المُسمى بالموت كبقية بني البشر.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات