القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

بقلم: مصطفي سعد الدين

فكرةٌ لم أجد لها تفسيرًا حتى لحظة كتابة هذه السطور، هل لأنني لست متخصصا في علم النفس؟ ربما.

لكن، اسمحلي عزيزي القارئ أن أقُصَّ عليكَ تلك الهَبْدَةَ العظيمة، ولأنني مصري فلابد أن أكون هبيدًا.

في إحدى الليالي المظلمة من شهر مايو، أو يناير، على حسب أشهر الامتحانات، أنجبت سيدة مصرية ولدًا أطلقت عليه اسم "النابغة"، وكان هذا النابغة رضيعًا أسطوريًا بامتياز كأبو زيد الهلالي، غير أنه كان أسطورةً في النبوغ الدراسي، فكانت أمه بدل أن ترضعهُ حليبًا، ترضعه حبر كتاب سلاح التلميذ، وبدل أن يتنفس الأكسوجين ويخرج ثاني أكسيد الكربون، كان يتنفس كتاب الوزارة شهيقًا وزفيرًا، ولما كبر هذا النابغة أصبح يأكل أسئلة كراسة الأول ويشرب من نبع كتاب الأضواء، وظل يكبر ويكبر ويتخذ الدح أسلوبًا للحياة، حتى تفتق ذهنه عن تلك الفكرة التي ذكرت لكم في الأعلى.. ألا وهي فكرة المراجعة بعد الامتحان

طبعًا لن أقولَ لكم أن أمه لطالما تحدثت مع قريناتها من أمهات التلاميذ عن أن ابنها لا يفتح كتابًا ولا يُحسِنُ جوابًا، لأنه محسود، وعلى السرير ممدودْ، فأنتم تعرفون هذا كله، انتهت القصة.

أرى منطقِيَّةً ما في المراجعة قبل الامتحان بربع ساعة، رغم عدم إيماني بها في المطلق، فكنت أسمع بعض زملائي يراجعون قبل الامتحانات بلحظات، وربما يضيعون دقيقةً أو اثنتين من وقت الامتحان للغرض ذاته، ولا أخفيكم سِرًّا، كنت في بعض الأحيان أفعل ذلك معهم كنوعٍ من التقليد الأعمى ليس إلا.

كل هذا منطقي إلى حد ما، لكن، ما يجعل العقل يطيش حَقًّا، المراجعة بعد الامتحان.. فأنا مطالبٌ بتذَكُّرِ ما قد كتبته آنفًا في الورقة لأبوح به، ليس أمام أمي وحدها، بل أمام حفنةٍ من أولياء الأمور اللواتي يتلقفن أول خارج من اللجنة بسؤالٍ مُفْعَمٍ بالتشوق لمعرفة الحقيقة، "فلان، الامتحان عامل إيه"؟

هذا السؤال يشع قلقًا كما لو كان التلاميذ في سرايا النيابة على ذمة قضية مقتل مطربة شهيرة، أو اختطاف ابن رجل الأعمال فلان الفلاني تاجر السلاح.

وما إن يخرج التلاميذ من سرايا النيابة على ذمة القضية، أعني وما إن ينزل التلاميذ من لجانهم، حتى تسمع أسئلة الامتحان وأجوبته تتكرر على مسامعك آلاف آلاف المرات، وتكررها أنت الآخر معهم، ويا ويل من اختلفت إجابته عن الإجابة المعهودة لدى أغلب التلاميذ.

كنا نراجع إجابات الامتحان مع أولياء الأمور صغارًا، حتى امتحان التربية الدينية، كنا نراجعه هو الآخر رغم أنه ليس مضافًا للمجموع ولن يفعلَ شيئًا، لا أقول هذا امتهانًا للدين، فمن امتهن الدين حقًا هو الذي حوله من أسلوب لحياة الفرد والمجتمع إلى مجرد عبارات بين دفتي كتاب لا تضر ولا تنفع.

واسمحي لي عزيزتي القارئة أن أنقل لكِ تلك العبارة المأثورة التي قالها لنا أستاذ علم النفس في المدرسة حتى تعلمي مدى عبثية تلك الفكرة، لقد قال لنا نصًا: "المراجعة بعد الامتحان لا تزيد من أجاب خطأًا إلا قهرًا، ولا تزيد من أجابَ إجابةً صحيحةً إلا غرورًا".

لي صديقٌ سافر إلى إسبانيا في الفرقة الثالثة من الجامعة، كتب هو الآخر عن تلك الفكرة وأن الطلبة الإسبان يحتقرون المصريين للسبب ذاته.

أما في الجامعة، فكانَ لي صديقٌ دحيح، بلغ الدرجة نفسها التي بلغها النابغة في القصة، كان يراجع معي الامتحان سؤالًا بسؤال، كنت لا أحب ذلك طبعًا، ونبهته إلى المشكلة نفسها، لكن من اعتاد فعل شيئٍ ما لن يتركه بسهولة، فعندما كان يمشي قبل خروجي من اللجنة، كان يحادثني عبر الهاتف ليعرف إجابات بعض الأسئلة.

وعندما كنت أسأل أقراني عن السبب الذي يجعلنا نراجع الامتحانات بعد حلها، أجد الإجابة التالية، حتى نعرف مستوانا في الامتحان والدرجات التي سنحصل عليها في النتيجة، تفسير عبثي لموقف غاية في العبث في منهج تعليمي لا يرقى لأن يوضع في القمامة،

الحقيقة لا أعرف هل عندما سيكبر هذا الجيل ويتزوج وينعم الله عليه بالأولاد، هل ستتكرر المأساة نفسها، هل سيتكرر المنظر نفسه لتلاميذ صغار يجلسون أمام أولياء أمورهم ليراجعوا معهم الامتحان مراجعة تفصيلية كأنهم ينتزعون منهم اعترافًا بالقتل، خاصةً وأن أمهات هذه الأيام قد أُصِبْنَ بفيروس قاتل حولهم بقدرة قادر إلى (ماميز) وأصبحت تجمعاتهم على موقع التواصل الاجتماعي واتس آب تسمى هي الأخرى (جروبات الماميز) ودخل تلاميذ هذه الأيام حربًا لا قِبَلَ لهم بها رغم حداثة سنهم، لن يخرجوا منها على الأرجح إلا عندما يجدون أنفسهم ذات يوم على المقهى لا يجدون عملًا، فيتحسرون على اليوم النحس الذي ذاقوا فيه مرارة التعليم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات