القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

دليلك غير الشامل للانتحار والاكتئاب

 

دليلك غير الشامل للانتحار والاكتئاب

بقلم : أحمد إيمان زكريا

 

*عنوان هذا المقال غير موضوعي ولا علاقة له بالسطور التالية*

 

"شد حيلك وفوق كده، ما كلنا مكتئبين"

"بلاش دلع وكفاية نوم في السرير، اكتئاب أيه، قوم صلي وهتبقى كويس"

مثل هذه العبارات صارت ردًا أصيلًا في محادثاتنا اليومية عندما يقول أحدنا "أنا مكتئب."

 

اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية بعد انتشار الأخبار عن وفاة الناشطة المصرية سارة حجازي، ولم يكن جديدًا أن الكثير من الآراء المتطرفة في كثير من الأحيان، للحكم على شخص رحل عن عالمنا دون أن يملك أحد منا تذكرة الدخول للجنة أو النار. 


الملفت للنظر في هذه الآراء أن كثيرين ركزوا على آراء سارة السياسية وهُويتها الجنسية، دون اعتبار لعاملين آخرين في غاية الأهمية، الأولى تعرضها للسجن في عام ٢٠١٧ بعد أن رفعت شعار جماعات الميم (LGBTQI+) في حفل فرقة مشروع ليلى الذي أقيم في القاهرة حينها. كذلك أهمل البعض إصابة سارة بالاكتئاب، ويظهر ذلك كثيرًا عن قراءة ومشاهدة صورها على صفحتها على إنستغرام. العاملان الأخيران دفعاني لمحاولة البحث في الأمر، خاصة أن الاكتئاب صار مرض العصر، وليس مجرد إصابة بنزلة برد، فربما يوجد وسط كل منا صديق/ة يـ/تعاني من هذا المرض ويـ/تفكر في الانتحار أو على الأقل إيذاء نفسه/ا جسديـًا.

وتشير الأبحاث العلمية إلى أن  الوفيات الناتجة عن الاكتئاب مثل الانتحار في المركز الثالث على المستوى العالمي، ويتنبأ العلماء أن الاكتئاب سيكون المسبب الأول لكثير من الأمراض مع حلول عام ٢٠٣٠. 


ويعرف العالم الأمريكي روبرت سابولسكي, أستاذ  البيولوجيا وطب الجهاز العصبي في جامعة ستانفورد الاكتئاب أنه اضطراب في كيمياء الجسد مع وجود عنصر جيني، وخبرات سابقة في سن مبكرة، تجعل الشخص غير قادر على الشعور باللذة/السعادة. ويقول " إن الانتحار اضطراب بيولوجي مثل مرض السكري."  ويرى سابولسكي أن المكتئبين يصابون بشعور بالذنب والحزن الذي يصاحبهم بشكل مستمر، وتتطور الأعراض لديهم لإيذاء النفس حتى يصل الأمر للانتحار.


ومن بين أحد أهم الأعراض الخاصة بالاكتئاب ما يسمى Psychomotor Retardation، أو التخلف النفسي الحركي، ويعني ببساطة أن الشخص لا يرغب ولا يشعر بالقدرة على فعل شيء، فيبقى في مكانه دون حركة، ويمكن تشبيه هذا العَرَض بالنوم طول اليوم وعدم استطاعتنا على النهوض من السرير مثلًا، وهذا ما قالته الكاتبة يوهانا هيدفا في نظريتها عن المرأة المريضة: "كيف يمكنك إلقاء حجر على شباك بنك إذا لم تكن قادرًا على النهوض من السرير؟" ويعتبر عَرَض التخلف النفسي الحركي عنصر رئيسي في اضطراب الاكتئاب الشديد (MDD).  


الخروج من دائرة التخلف النفسي الحركي ولو بقدر بسيط يجعلنا نفكر ونفعل، مما قد يسبب الانتحار، لأننا عندما نعيش داخل دائرة عدم القدرة على الفعل أو التفكير، قد لا يتبادر لأذهاننا حتى التفكير في الانتحار.

قد يبدو الأمر ساذجـًا، لكن أحد المسببات الكبرى للاكتئاب هو الضغط، الذي يلعب دورًا محوريـًا في الإصابة بالمرض. وللضغط أشكال كثيرة قد نمر بها، بداية من العنف الأسري مرورًا بالفشل الدراسي أو فقدان وظيفة أو نقص المرتب أو توقفه .. ألخ، وهنا لا يجب أن ننسى السياق السياسي والاجتماعي الأوسع الذي نعيش داخله، وكيف يشكل قدراتنا على التعايش.

في عالمنا العربي يـ/تتمتع المواطن/ة باختيارات متنوعة تساعده/ا على الضغط النفسي والعصبي دون بذل أي مجهود أو دفع أية ضريبة.. مثل الاستيقاظ على أخبار مثل دوي انفجارات أو حادث إرهابي أو اعتقال أحد الأصدقاء، أو إجهاض ثورة أو أرقام دقيقة وحقيقية عن انتشار جائحة الكورونا في البلاد .. ناهيك عن أسباب أخرى مثل تدني مستوى الدخل، أو فاتورة كهرباء مختومة من جهنم، أو التلوث البيئي ..إلخ. وبما أن الضغط متوفر ويمكن تصديره، فالاكتئاب والانتحار ليسا بأحلام تُبتغى، بل واقع تدعمه الدراسات العلمية. 


ففي تقرير تابع لمنظمة الصحة العالمية سنة ٢٠١٥، ذُكر أن معدلات الانتحار تتجاوز ٧٥٪ في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بين الشباب في المراحل العمرية من ١٥ عام إلى ٢٩ عام، ويمثل الانتحار نسبة ٨.٥٪ بين أسباب الوفاة، حاصلًا على المركز الثاني بعد حوادث الطرق.

وأشار التقرير إلى أن الاكتئاب والقلق يصيبان شخص من بين كل ١٠ أشخاص على الكوكب، حيث وصل عدد الإصابات ٦٧٦ مليون إصابة، كما أن نسبة الإصابة بالاكتئاب بين النساء أعلى من الرجال، وإن الاكتئاب يمكن أن يؤدي للانتحار. التقديرات تشير إلى أن عدد المنتحرين/ات في العالم سنة ٢٠١٢ وصل عددهم إلى حوالي ٨٠٤ ألف شخص.

وفي مصر وفق إحصائية سنة ٢٠١٧ لمنظمة الصحة العالمية، من بين كل ١٠٠ ألف مواطن ينتحر ٨٨ شخص من الجنسين، من بينهم ٥٨ شخص في المرحلة العمرية ما بين ١٥ -٣٤ سنة. وفي تقرير عالمي صدر لنفس المنظمة عام ٢٠١٩، وصل عدد المنتحرين في مصر سنة ٢٠١٦ من الجنسين ٣٧٩٩ شخصـًا، ٧٠٤ أنثى، ٣٠٩٥ ذكر ، ووصل عدد حالات الانتحار في ١٨ دولة من العالم العربي إلى ما يزيد ١٥٥٠٠ شخصـًا.

من تحديات مواجهة الاكتئاب في العالم العربي أن بعض الناس يتعاملون معه مثل نزلة البرد، وأن جميعنا يصاب بالاكتئاب يوميـًا، وهذا عبء جديد يضاف على كاهل المكتئب. ولو فرضنا أن البعض يعتبر الاكتئاب مرضـًا عضويـًا، وليس نفسيـًا فقط، فهناك من يرى المرض بسيطـًا (ليس مثل السرطان )، وهنا يتجاهل عدد منا أهمية السياق الذي يعيش فيه المصاب بالاكتئاب، فشعور المكتئب بقلة الحيلة وضعف القدرة على الفعل لا يأتي من فراغ،  مما يثير سؤالًا أخلاقيـًا كبيًرا: هل المنتحر أدى هذا الفعل بإرادة حرة وكاملة؟ طوعـًا؟ أم أن هناك محفزات دفعته لذلك؟ 


ميكيل كراوسي فرانتزن ، المحاضر في جامعة كوبنهاجن، يقول إن "تاريخ الاكتئاب هو تاريخ العالم الرأسمالي المعاصر .. تاريخ العنف، العنف الذي يواجهه أصحاب البشرة الملونة، ومجتمع الـ LGBT، والساعون للجوء، عنف جسدي ونفسي."

بعض الاتجاهات ترى أن الاكتئاب نتيجة للسياسة والصراع الاجتماعي في ظل هيمنة الرأسمالية على حياتنا، وهذا يتعارض مع اتجاه آخر يرى الاكتئاب وعدم السعادة اختيار مثل السعادة، فلا يمكن أن نتوقع الحصول على السعادة من الآخرين. وبالتالي أي ظروف محيطة تعرقل المرء من أن يكون سعيدًا تصبح مُهملة في هذا الطرح، لأننا نملك القدرة على تحقيق سعادتنا بأنفسنا. وبالتالي، فالمكتئبون وفق هذا المنطق ارتكبوا هذه الحماقة بوعي كامل، هذه خطيئتهم، خطيئتهم وحدهم.


بالنظر للنموذج الأخير المعبر عن الرأسمالية، فهو يلقي باللوم على الفرد، ويطهر المجتمع أو البناء الاجتماعي من أي خطأ، فيصبح المرء سيد مصيره. هذه الرؤية تعتقد أن الانتحار فعل فردي ولا يؤثر على بقية المجتمع، إلا أن عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم يرى ذلك الطرح خاطئـًا، لأن مايجمع البشر هو الشعور/الإحساس الذي يتأثر بمثل هذا الفعل -الانتحار- بشكل مباشر، لذا نجد ردود الفعل متنوعة ما بين الغاضبة والمتعاطفة والمصدومة ..إلخ، لأن البشر يرون أنفسهم في الشخص المنتحر، فتظهر مقولات مثل مات كافرًا، وللعبارة مرجعيتها الدينية التي سيعتمد عليها الكثيرون. 


ويوضح دوركايم في كتابه عن الانتحار أن للجماعة تأثير كبير على الفرد، والوضع المجتمعي يلعب دورًا في التعامل مع الانتحار، فنسبة الانتحار تقل في حالات الحروب والثورات أو المشاريع القومية الكبرى، لأن الإنسان في هذه المناسبات يفكر في نفسه بشكل أقل، ويفكر في الجماعة بشكل أكبر. وهذا قد يفسر الوضع الراهن بالنسبة لحالات الانتحار الحادثة في مصر ودول أخرى، ففشل الثورة في مصر، وانهيار الحلم الجماعي بإنشاء دولة ديمقراطية، تسبب في شعور عدد ليس بالقليل من هذا الجيل باليأس والرغبة في إنهاء حياتهم، وسارة حجازي ليست أول نموذج. لا يوجد لدي إحصائيات حول نسبة الانتحار في مصر سنة ٢٠١١، لكن يمكن التخمين أن نسب الاكتئاب والانتحار تقلصت خلال هذا العام.

إن الاكتئاب لا يختلف في أثره كثيرًا عن الأوبئة، وقدرة كل منا على مقاومته ليست واحدة، لذا فالرفق بمرضى الاكتئاب، ووضع أنفسنا في أماكنهم قد يكون سببـًا في مساعدتهم أن يبتعدوا قليلًا عن الانتحار الذي قد يقترب من عقل أي منا في أي لحظة حتى الأكثر تدينـًا بيننا.

 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات