القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار





بقلم: مي محمد 

أمريكا من أولى الدول التي تدعو لمناهضة العنصرية، والتميز المجتمعي، وتدّْعي أن أساس تقدم المجتمع الأمريكي عن غيره من المجتمعات العربية والأوروبية هي نظرته إلى الجميع نظرة متساوية، يخلوها أي نوع من أنواع العنصرية، ولكن المجتمع الأمريكي ليس بتلك العظمة التي يصورها لنا، فبالنظر إلى تاريخ أمريكا العنصري نرى أن امريكا نفسها قائمة على إبادة شعوب الهنود الحمر -السكان الأصليين لأمريكا، وهذه الحقيقة مهما حاول الشعب الأمريكي إنكارها، نجد أن التاريخ يظل خير دليل على تزيفهم لتلك الحقائق.
في القرن ال 17 ازدهرت تجارة العبيد الأفارقة المأتي بهم لخدمة البيض المهاجرين إلى الأراضي الأمريكية وأغلبهم من أغنياء بريطانيا المهاجرين إلى أمريكا، ومع زيادة نفوذ البيض في أمريكا تزداد نظرتهم الدونية إلى السود وتعاملوا معهم على أنهم ليسوا بشرا وأنهم أدوات مُسَخرة لخدمتهم، وليس لهم الحق في الظهور في الشوارع، أو ركوب الموصلات العامة، والعبودية تلك قائمة علي قوانين عنصرية، أهمها أن العبد ملك لسيده مدى الحياة يتعاملون معهم معاملة أقل من معامله الحيوانات. تطورت الأحداث العنصرية مع الوقت حتى ظهر قانون حمل السلاح في عام 1817، وظهور الحرب العرقية فأصبح المراهقين البيض يقتلون السود في الشوارع، ويقتحمون منازلهم، ويتعدون على ممتلكاتهم، حتى أتى الرئيس الأمريكي أبراهام لينكون، الذي كان ضد فكرة العبودية وإصدار مجموعة من القوانين التي تحرر العبيد، ولكن تلك القرارات لم تنل إعجاب مجموعة من القادة السياسين اهمهم جيفرسون ديفيس، الذي شجع 12 ولاية في الجنوب على الانفصال عن الولايات المتحدة مكونة الولايات الكونفدرالية الأمريكية، التي تؤيد العبودية وترسّْخ قوانينها، وبذلك بدأت الحروب الأهلية بين شمال وجنوب أمريكا من 1861 إلى 1864، وانتهت في 1865، عندما استسلم جيش الجنوب، وانتهاء الحروب الأهلية، وظهور حقبة جديدة تُدعى إعادة إعمار الولايات المتحدة، ولكن مع الوقت بدء البيض العنصريين يرجعون للحكم من جديد ويمنعون السود من حقهم في الانتخاب، والتصويت، وبدء استخدام جمعيات عسكرية لترهيب السود، وبذلك أنشأ السود المدارس، والبنوك، والمجتمعات المحلية الخاصة بهم، والرضا بالأمر الواقع، حتى أتى مارتن لوثر كينغ الذي أسس حركة الحقوق المدنية التي تبنى فيها حقوق السود في التصويت، والانتخاب والحصول على وظائف.
وفي 1968 وقّْع الرئيس الأمريكي ليندون جونسون على قانون الأحوال المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة لكافه الأديان والأعراق في أمريكا، وإذ يعد عام 2008 تحولا كبيرا في تاريخ العنصرية في أمريكا، عندما تولى أوباما رئاسة الولايات المتحدة، وهو أول رئيس أسود البشرة يتولى رئاسة أمريكا، ولكن ذلك لم يمنع المعاملة العنصرية مع السود فتوالت الأحداث العنصرية في أمريكا التي كانت آخرها مقتل جورج فلويد على يد رجل الشرطة الأبيض (شوفان)، وانتشار الاحتجاجات المتضامنة مع مع القتيل في كافة أرجاء القارة الأمريكية.
وكان موقف الشعب الأمريكي من مقتل جورج فلويد ووسائلهم للقضاء على العنصرية:
- عقب انتشار مقطع الفديو الذي يظهر فيه وحشية تعامل ظابط الشرطة الأبيض مع فلويد، وركوعه على رقبة فلويد وهو يرجوه بأن يتركه قائلا: أرجوك لا أستطيع التنفس.. أرجوك لا تقتلني.
- انطلقت الاحتجاجات من مدينة مينيابوليس، والعاصمة واشنطن وغيرهما الكثير من الولايات والمدن الأمريكية الأخرى، كما قامت بعض العواصم الأوروبية بتضامن مع مقتل فلويد، وكل تلك الاحتجاجات ترفع شعارات: "لا استطيع التنفس".. "السود يستحقون العيش"، ومطالبين بالحرية، والعدل، والمساواة للجميع.
- العديد من مشاهير العالم قد تضامنوا مع مقتل فلويد فنجد مايك تايسون بطل العالم الأسبق في الملاكمة يجلس على ركبته لتوديع فلويد، والمغنية العالمية مادونا، التي شاركت في الاحتجاجات، وغيرهما الكثير الذين عبروا عن غضبهم مما حدث عبر تغريدات على تويتر، ومنشورات في مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. 
العنصريه في أمريكا ليست استثناء في تعامل الشرطة، بل هي القاعدة، حيث يعد مقتل فلويد الفتيل الذي أشعل نيران الغضب على الشرطة الأمريكية، حيث تظهر الدراسات أن الشرطة الأمريكية تقتل حوالي 1100 مواطنا أمريكا سنويا أكثر من ربعهم من السود، كما أن العنصرية تتغلغل داخل الشرطة نفسها فنجد أن رجال الشرطة السود يتعاملون معامله أقل من غيرهم في الجهاز الفيدرالي، وهذا ما جعل بعض رجال الشرطة السود يتعاطفون، مع الاحتجاجات، ومع مقتل فلويد. 
في الليلة السادسة من بدء الاحتجاجات بدأت أعمال الشغب وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، ومقتل 5 أفراد على الأقل على يد الشرطة في ذلك اليوم، كما صاحب ذلك إزاله تماثيل لشخصيات عنصرية، فقد قام المتظاهرون في برسُتل بإنجلترا بإزالة تمثال لإدوارد كولستون، وهو أحد تجار العبيد في القرن ال 17، وفي فيلادلفيا قام المحتاجين بتشويه تمثال رئيس البلدية السابق الذي تبني بصراحة وجهات النظر العنصرية، وفي بلجيكا قام المتظاهرون بتقديم عريضة تطالب بإزالة تمثال ليوبولد الثاني في بروكسل الذي يعد أحد رموز الاستعمار وقد حصلت العريضة على ما يقرب من 5800 توقيع لإزالة التمثال وبذلك اصبح فلويد رمزا لإزالة تماثيل العنصرية. 
رد فعل الحكومة الأمريكية على مقتل فلويد ووسائل ترامب لفض الاحتجاجات:
بعد مقتل جورج فلويد وانتشار الاحتجاجات في جميع أرجاء مينيابوليس اضطر رئيس البلدية إلى إقالة أربعة من رجال الشرطة من العمل، والحكم على شوفان بتهمة القتل الخطأ، وقد صرح رئيس البلدية بأن البشرة السوداء لا تستوجب عقوبة الإعدام، ومع تلك التصرحات ازدادت حدة الاشتباكات بين المحتجين وعناصر الشرطة وتزايدت أعمال الشغب في كل أرجاء أمريكا، وليس فقط مينيابوليس، وتعاملت الشرطة من تلك الاحتجاجات باستخدام الغاز المسيِّل للدموع، وإطلاق النار لفض الاحتجاجات، ولكن ذلك لم يؤد إلى نتيجة، فصرح رئيس بلدية مينيابوليس بأنه سوف ينشر الحرس الوطني لفض تلك الاحتجاجات، وإنهاء أعمال الشغب المتزايدة، ولكن تصريحاته أدت إلى زيادة غضب الشعب من موقف الحكومة السلبي تجاه الحادث، وأن تلك التصريحات تشجع العنصرية حتى لو بشكل غير مباشر، فنجد ترامب اتخذ في بادئ الأمر موقفا حياديا يعبر فيه عن استيائه مما حدت لفلويد، ويقول إن وفاة فلويد كانت حزينة ومأساوية للغاية، ويتعهد بفعل أقصى الجهود لتحقيق العدالة، مع استمرار وتزايد الاحتجاجات نرى ترامب في خطاباته يعمل على تشويه صورة الاحتجاجات، ويتهم المحتاجين بأنهم مجموعه من المخربين والإرهابين، وأنهم مدعومين من قبل قوى أجنبية منها الصين وروسيا، وقد تم تمويلهم لزعزعة استقرار البلاد، ويقول إن من واجبه كرئيس لأمريكا أن يطبق القانون الأمريكي، ويفرض حظر التجوال، ويشجع الشرطة على استخدام كافة وسائل العنف لقمع المحتجين، واتهم حكام الولايات بتقصيرهم في مواجهة هذه الحركات التي تشوه، وتهدد استقرار أمريكا.
هدد ترامب مرارا وتكرارا بنشر الجيش، ولكنه لم يستطع بسبب معارضة وزير الدفاع الأمريكي ذلك، فاكتفى بنشر الحرس الوطني، فنشر بالعاصمة واشنطن قرابة 1700 فردا، ونشر في مينيابوليس قرابة 500 منهم، وأيضا نشر الحرس الوطني في أكثر من 20 مدينة أخرى، كما أمر بعسكرة الشرطة وتسليمهم العديد من أدوات الجيش للتعامل مع المحتجين.
هذا الأمر ليس جديدا على ترامب، فهو أحد أكثر زعماء العصر الذين يتميزون بمواقفهم العنصرية وتحيزهم الشديد للبيض، وللعرق، وللدين، ففي إحدى تصريحاته السابقة طلب من نائبات ديمقراطيات في مجلس النواب من أصول أجنبية بالعودة إلى بلادهم، كما أنه في تغريدة له على تويتر استهدف بها النائبات الأربعة: ألكسندرا، أيانا بريسلي، رشيدة طليب، إلهان عمر، لكنه لم يذكر أسمائهن علنا فقال: إنهن أتين في الأصل من بلدان ذات حكومات كارثية.. بالمطلق هي الأسوأ والأكثر فسادا وعدم كفاءة في العالم، وأضاف: لماذا لا يعدن ويساعدن في إصلاح الأماكن الفاشلة التي أتين منها حيث تتفشى الجريمه؟.
كل تلك التصريحات تبين لنا بشكل واضح أن ترامب يجازف، ويلعب بالنار لأنها سوف تقلل من شعبيته، وسوف تؤثر بالسلب على حملته الانتخابية، التي يسعى فيها للترشح للولاية الثانية في حملته الانتخابية القادمة، ومما لا شك فيه أن منافسه جو بايدن استغل موقفه العنصري وعقَّب عليه وقال إن ترامب يستعمل الجيش، والغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي من أجل التقاط صورة، مشيرا لزيارة ترامب لكنيسة سان جو المجاورة للبيت الأبيض. معارضة سياسات ترامب لم تقتصر فقط على منافسيه، بل كانت أيضا من قيادات بارزة من الحزب الجمهوري، فتقول ليزا موركوسكي إن القيادات تواجه صعوبة في تحديد إذا كان عليها إعادة انتخاب ترامب من جديد أم لا، كما كشفت جريدة نيويورك تايمز الأمريكية عن اعتراض زعماء الحزب الجمهوري السابقين من سياسات ترامب أبرزهم (جورج بوش الإبن، السيناتور الجمهوري عن ولاية يوتا، والمرشح الرئاسي السابق ميت روموالنائب عن ولاية فلوريدا فرانسيس روين) متعهدين بعدم دعمهم لترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة.
أفادات الاستطلاعات بأن شعبية ترامب في تراجع مقارنة بمنافسه جو بايدن وأشارت إلى أن الناخبون الذين انتخبوا ترامب في 2016 قد تخلوا عنه، ولكن هناك دائما احتمال بحدوث أي أحداث أخرى تؤدي إلى قلب الموازين وتزداد شعبيته مره أخرى. 

الخاتمة:
حادثه مقتل فلويد، ومظاهرات الاحتجاجية التي عقبت وفاته، لم تكن الأولى من نوعها التي تعبر عن سخط الشعب الأمريكي من تغلغل العنصرية في المجتمع الأمريكي، ومن المرجح أنها لن تكون الأخيرة، بسبب الموقف السلبي الذي اتخذه ترامب في تعامله مع الاحتجاجات، فبدلا من أن يسمع ترامب للمحتاجين، ويرى متطالبتهم، ويعد لجنة قومية لتنفيذ تلك المطالبات، ويبحث في مقتل فلويد، وينفذ أقصى عقوبة على المجرمين، ويحقق العدالة، قام بتحريض الشرطة، والحرس الوطني على استخدام العنف معهم، واعتقالهم، وحبسهم، وفرض حظر التجوال، في العديد من الولايات الأمريكية، وبذلك نرى أن موقف ترامب تجاه الاحتجاجات لم يختلف كثيرا عن موقف قادة العرب، الذي قال عنهم إن موقفهم لا يعبر عن أي نوع من أنواع الديمقراطية، والتحضر، وإنهم يسلبون حقوق مواطنيهم.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات