القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

معارك لا يذكرها التاريخ


بقلم: علاء محمد 

إن الدولة المصرية ليست دولة وليدة الصدفة، أو حديثة العهد بل تضرب بجذور حضارتها في الأرض آلاف السنين، و كذلك الدبلوماسية المصرية لها الكثير من المواقف المشرفة التي تعبر عن رجاحة العقل، وحسن التصرف، وقوة التأثير، فقد كان للدبلوماسية المصرية دورا فعالا ومؤثرا في جلاء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وكذلك التنديد بالعدوان الغاشم والمغتصب، ليس فقط على النطاق الإقليمي، بل في كل ربوع العالم آنذاك.
ولعراقة الدبلوماسية المصرية، فإن من يهيمن على زمام ومجريات أمورها هم رجال يتمتعون بقدر كبير من الفطنة والدهاء، و ظهر هذا جليا في التعامل مع مسألة تفاقم عليها الرأي العام المصري بل والعالمي أيضا، ألا وهي مشكلة سد النهضة الإثيوبي، فظهر واضحا ثبوت وشموخ وتريُّث الخارجية المصرية في التعامل مع هذا الملف بالغ الحساسية بكل حرص وذكاء رافضين اتخاذ أي قرار يُلحق الضرر بمصلحة مصر وأمنها القومي.
أرادت مصر أن تُمرر بعض الرسائل وثيقة الصلة بملف سد النهضة للعالم بشكل عام، ولمن أراد اغتصاب حقوقها المائية بشكل خاص، وتعتبر هذه الرسائل ردا رادعا في وجه كل من تُسوِّل له نفسه أن يتعدى على حقوق وممتلكات الدولة المصرية، وكان ذلك من خلال خطاب السفير "سامح شكري" وزير الخارجية المصرية في الاجتماع الذي عُقد في مجلس الأمن في شهر يونيو لعام 2020.
إن لغة الجسد لها أسرار وبها رسائل تُرسل بين رؤساء الدول وسفرائها، وفي اجتماع مجلس الأمن مرر شكري العديد من الرسائل الهامة عن طريق لغة الجسد، فمثلا ارتدائه بدلة سوداء، وقميص أبيض له مغزى خصوصًا ونحن في خضم جو عاصف بالتوترات والنزاعات على قضية كقضية سد النهضة، ويشير لون البدلة الأسود إلى الغضب والقوة معا، وفي علم النفس يدل اللون الأسود على غموض الشخصية وخباياها كما يدل على الألغاز وقوة السلطة والتمكين وفي هذا رسالة على حسم الخارجية المصرية لأمرها في مواصلة سياساتها وأنها مستعدة للتضحية بكل غالي ونفيس من أجل حقوقها المائية، وأيضا ارتداءه قميص أبيض يدل على تمسك مصر بالسلم و السلام طالما أن الأمر لا يضر بمصالح شعبها أو التعدي على حقوقها، فضلا عن براعته في استخدام اللغة الإنجليزية والتحدث بطلاقة وعدم التلعثم أو التأتأة أثناء الحديث، فتارة يتحدث و تارة يصمت وهذا يُعطي انطباع عن الثقة بالنفس، وظهرت هذه الثقة كذلك في شكل جلسته حيث بدا جالسا بارتياح واضعا يديه أمامه في شيء من الهدوء والسكينة، وإلقائه للخطاب من ذاكرته وهذا يُبين مدى ثقته الكبيرة بنفسه، وذلك على العكس من نظيره الإثيوبي، الذي كان يتصبب عرقا مُتأتأ في بعض كلماته متحدثا بسرعة شديدة مما يدل على عدم ارتياحه أو الشعور بشيء من التوتر.
وظهر على يسار شكري أثناء إلقاء خطابه في اجتماع مجلس الأمن تمثال "للملكة نفرتيتي"، والتي تعود للأسرة الثامنة عشر، وكشف أمين عام المجلس الأعلى للآثار "مصطفى وزيري" أن التمثال مُستنسخ من تمثال الملكة نفرتيتي زوجة الملك أمنحوتب الرابع المُلقب ب "أخناتون"، وتتجلى في وجه نفرتيتي حساسية وعظمة وسمو نفس، فالحاجبان ممتدان في سلاسة نحو الصدغين، مع ارتفاع متعال فوق الوجنتين، أما العينين فهما نصف مُغلقتين أسفل الأهداب المُنسدلة قليلا مما يدل على الغموض وقوة الشخصية، وظهرت الرأس الشامخة مرفوعة بكبرياء ملوكي للدلالة على عظمة مصر، و قال باحثون في علم الآثار إنها تُلقب بحاكمة النيل، وجوهرته وابنة الآلهة، ومن المؤكد أن مصر أرادت أن تعطي رسالة للعالم أن النيل لمصر منذ القدم، وأن مياه النيل هي من صنعت حضارة مصر العريقة، وأن حاكمة النيل لن تسمح لأي قوة مهما كانت قوتها أن تأخذ شريان حياة المصريين منها، أو تُعطل مجراه أبدا، وهي رسالة قوية جدا تُبين أن لمصر حضارة عريقة لن تستطيع الأرض ولا أي قوة أن تطمس رموز حضارتها العظيمة، ويُبين أيضا مدى ارتباط النيل ومكانته عند أجدادنا الفراعنة، كما ظهر أقصى اليسار تمثال لجارية حبشية وبجانبها العلم المصري ومن الممكن أن يدل هذا على قدم أواصر العلاقات والتعاون بين الشعبين الإثيوبي والمصري.
وأيضا وُجد أمام شكري كوب من الماء ممتلئ بالماء حتى نصفه فقط وأمامه مُجسم للكرة الأرضية، وهذا ليس من قبيل الصدفة بل له دلالة أيضا، فهو يريد من دول العالم أن تنصر الدولة المصرية المجني عليها وأن تقف بجانبها لنيل حقوقها وردّْ الجائر وردعه، وكذلك يريد أن يُبين لدول العالم أن مصر دولة بها فقر مائي وأن فترة بناء السد والتحرك الأحادي الذي يتبناه الجانب الاثيوبي سيكون ظالما على مصر وسيُنزل بها خسائر فادحة في الرقعة الزراعية، وانخفاض حصة المياه للمواطن المصري وغيرها من المشاكل التي ستحل على مصر، وهذا لن يسمح به الجانب المصري بأية حال.
ووجد أيضا أمام السفير "سامح شكري" المُصحف الشريف وهذا له دلالة أن الشعب المصري هو شعب له عقيدة يؤمن بها تأمرنا بالتسامح وحُسن المعاملة وعدم العدوان مع المُسالم الصديق، والحرب والعداء مع الجائر المُعتدي، وأن مصر محمية ولها عناية من الله إذ يقول الله تعالى في كتابه الكريم بعد بسم الله الرحمن الرحيم، "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، صدق الله العظيم.
وفي النهاية أراد شكري أن تتفق الدول الثلاثة على حل يُرضي جميع الأطراف وعدم اتخاذ أي دولة إجراءات أحادية من شأنها أن تُضرر ببقية الدول، وقد أشار مؤكدا الدور الحيوي لسكرتير الأمم المتحدة في هذا الصدد، وأثناء حديث شكري وضح تمسك مصر بالحلول السلمية والبعد عن الحلول العسكرية لأن هذا أفضل من استخدام القوة والتي تمتلكها مصر.
تطرق شكري في حديثه إلى تعدد الموارد المائية داخل إثيوبيا حيث مليارات  الأمتار المكعبة من المياه التي تتدفق في النيل تتقاسمها 11 دولة غير إثيوبيا و يجب على إثيوبيا أن تحترم ذلك، وأضاف متحدثا عن دور مصر الرائد في مساعدة دول حوض النيل على بناء السدود وحفر الآبار وتحقيق التنمية في بلادهم طالما أن هذه المشاريع لا تتعارض مع حقوق وحرية الدولة المصرية.
أدان شكري إثيوبيا خلال حديثه موضحا أنه كان يجب على إثيوبيا أن تقوم بدراسات علمية دقيقة لدراسة أثر تداعيات بناء سد النهضة ثم تقييم الأثر، إذا كان غرضها من البناء عدم إلحاق الضرر بدولتي مصر والسودان كما تتظاهر، وأشار أنه في حالة غياب اتفاقية تتضمن حقوق الدول التي يمر فيها النيل فإن هذه الدول من الممكن أن تتعرض لخطر مجهول.
وتتطرق أيضا أثناء حديثه إلى أن مصر قد تعرضت لحملة مزاعم كاذبة، وأشار إلى الاتفاقية التي وقع عليها إمبراطور الحبشة عام 1902 والتي تعترف فيها إثيوبيا بعد القيام بأي عمل يؤثر بالسلب على بقية دول حوض النيل, مطالبا مجلس الأمن أن يكون هناك إتفاقا ملزما للدول الثلاثة محددا وواضحا في حالة وجود أي خلاف أو عدم اتفاق بين الثلاث دول لضمان حقوق كل دولة، وأخيرا هناك الكثير من المعارك بدون جيوش، معارك لا يكتبها التاريخ.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات