القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

هل تغيرنا الفوضي أم أنها فقط تكشف حقيقتنا (الاحتجاجات الأمريكية وافلام The purge )



هل تغيرنا الفوضي أم أنها فقط تكشف حقيقتنا


بقلم : عبد الرحمن عاطف 

إن أعمال الشغب التي تعصف بالولايات المتحدة في الوقت الراهن هي الأسوأ منذ تلك التي وقعت في عام 1968 في أعقاب اغتيال زعيم الحقوق المدنية مارتن لوثر كينج، وذلك بعد فرض حظر التجول في العديد من مدن الولايات المتحدة، إثر انتشار الاحتجاجات والاضطرابات في شتى أنحاء البلد، وذلك بعد مقتل جورج فلويد، الأمريكي من أصول أفريقية، بأيدي الشرطة في مدينة مينيابوليس.، في 25 مايو.
وفي هذا السياق، تسلط سلسلة افلام the purge أو التطهير، الضوء على فكرة أخلاقية وفلسفية، وهي إعطاء البشر الحرية المطلقة بدون رقابة أو سيادة للقانون، بحيث تكون أعمال اعنف والسلب والقتل مباحة، ويكون الضحايا النموذجيون للتطهير هم أولئك ساكني المجتمعات الفقيرة ، مثل الأشخاص المشردين أو الفقراء أو الطبقة العاملة. 

لماذا تتحول بعض الإحتجاجات إلي عنف؟


أن منابر التواصل الاجتماعي قد تجعل الناس أكثر ميلا لتقبل العنف إذا اعتقدوا أن أقرانهم يشاركونهم في النظرة الأخلاقية؛ كما تعتمد حدة الإحتجاجات علي رد الفعل من قبل الطرف الآخر، ففي أمريكا مثلًا تعتبر قوات الشرطة المدربة على سبل خفض التصعيد أكثر قدرة على تجنب إندلاع أعمال العنف في الاحتجاجات. ويشير في هذا السياق إلى الاحتجاجات التي لم تتطور إلى أعمال عنف في الولايات المتحدة ، كتلك التي شهدتها بلدة كامدن في ولاية نيو جيرسي والتي سار فيها رجال الشرطة جنبا إلى جنب مع المتظاهرين احتجاجا على العنصرية، فإذا صعدت الشرطة من حدة مقاومتها، غالبًا ستزيد حدة مقاومة الإحتجاجات.
ويقول مارلون موجيمان، وهو أستاذ مساعد متخصص في السلوك المنظم في جامعة رايس الأمريكية، إن علم النفس الأخلاقي قد يساعد في تفسير سبب تحول بعض الاحتجاجات إلى العنف. ويقول إن بوصلة الإنسان الأخلاقية تلعب دورا كبيرا في نظرته إلى نفسه، ولذا "إذا شاهدنا أمرا نعتبره غير أخلاقي، يولد ذلك مشاعر قوية، لأننا نشعر بأن علينا أن نحمي فهمنا للسلوك الأخلاقي". ويضيف "قد يتغلب هذا الشعور على المخاوف الأخرى التي يشعر بها الناس إزاء المحافظة على السلم، لأنه إذا اعتقدت بأن النظام لم يعد يفي بالغرض ستريد أن تقوم بعمل شديد لكي تشير إلى أن ذلك غير مقبول". ويقول إن هذا قد ينطبق على طيف واسع من المعتقدات، فعلى سبيل المثال، إذا اعتقد أحدهم أن الإجهاض ينم عن خلل أخلاقي، قد يميل هذا الشخص إلى القول إن تفجير عيادة للإجهاض أمر لا بأس به.

فلاسفة العقد الإجتماعي والحالة الطبيعية


جادل فلاسفة العقد الإجتماعي – توماس هوبز، جون لوك، جان جاك روسو - أن حالة عدم وجود سلطة منظمة لحياة الأفراد، هي حالة تعرف "بالحالة الطبيعية" أو " State of “Nature التي لايوجد رقيب فيها علي أحد، وبالتالي لايوجد مايكفل حمايته من غيره، ونتيجة لذلك قدم أولئك الفلاسفة فكرة " العقد الإجتماعي" Social Contract وهي فكرة تقوم علي تنازل المواطنين عن عدد من حرياتهم لصالح سلطة عليا أو لقرار الأغلبية في مقابل كفالة بقية حقوقهم وحمايتهم من الأخطار الخارجية أو حمايتهم من بعضهم البعض إن لزم الأمر.
ورأي هوبز أن الإنسان أناني بطبعه ويسعي لتحقيق مصلحته الشخصية، لذلك أكد علي ضرورة وجود سلطة مطلقة علي الأفراد، حيث أنها هي الشيء الوحيد الذي يقف بيننا وبين العودة للهمجية و الحالة الطبيعية، أو حسب تعبيره (حرب الكل ضد الكل)، ورأي أن أنسب طريقة لتشكيل الحكومة هي الملكية المطلقة، والتي تعطي الحق للحاكم بأن يمتلك صلاحيات مطلقة وغير قابلة للتقييم أو المحاسبة، وعبر عن ذلك بمصطلح اللفياثان Leviathan، وهو الكائن الأسطوري الذي يعبر عن الدولة بسلطتها المطلقة علي الأفراد؛ وفي حالة اختفاء تلك السلطة علي الأفراد، فكل شيء مباح.

مدي التشابه بين الشغب الأمريكي الحالي، وسلسلة أفلام The purge


من الواضح أن سلسلة أفلام The purge هي عمل درامي تخيلي، يفترض وجود يوم سنوي، يكون بمقتضاه 12 ساعة مباح بها فعل كل شيء بدون رقابة أو ضوابط أو حتي عواقب علي السرقة أو القتل أو غيرها من الجرائم التي يمنعها القانون عادة، ويتضح أن دوافع ذلك الحدث ودوافع الأشخاص تتراوح مابين الحصول علي المال وذلك من منظور الطبقات الفقيرة، والترفيه والتطهير المجتمعي وذلك من منظور الطبقات ميسورة الحال، حيث تري أن يوم التطهير يقلل من أعداد الفقراء والمحتاجين بالتخلص منهم كونهم أكثر عرضة للخطر وأقل تحصينًا، وبالتالي يوفر مسؤولية النفقات الموجة لكفالتهم، بالإضافة إلي الرغبة في التعبير عن الذات والفخر والشعور بالإستحقاقية، فنجد شخصيات تتجه للإنتقام أو الحصول علي أشياء تم منعها منها قبل يوم التطهير.
أما مايحدث الآن في الشارع الأمريكي، فهو أقرب إلي أنه بدأ بإحتجاج علي مقتل "جورج فلويد" من قبل الشرطي، وإضرام النيران في بعض المناطق تعبيرًا عن الغضب، واستخدام الأمريكيين حقهم في التظاهر، ولكن يبدو أن بعض الأفراد أتجهت إلي الصيد في الماء العكر، مستغلين أحداث عدم الإسقرار للقيام بأعمال السلب والنهب، مما دفع العائلات للإعتماد علي أنفسهم لتأمين الحماية لممتلكاتهم والإتجاه لتسليح أنفسهم، خاصة مع تسهيل الدستور الأمريكي لذلك والذي يضمن حق الشعب في حيازة وحمل السلاح، وذلك وجه شبه كبير بين سلسلة الأفلام والواقع الأمريكي، خاصة أن كلاهما تقع أحداثه علي أرض الولايات المتحدة الأمريكية.
وأقرب جزء للأحداث الحالية هو جزء The purge: Election year، الذي يقوم في سنة الانتخاب الأمريكية في الوقت الحالي، وتسعي الغالبية المحافظة المتطرفة إلي إعادة انتخابها مرة أخري، وهي التي تكفل قانون يوم التطهير وتعمل علي استمراره سنويًا، بينما تظهر مرشحة مناهضة لذلك القانون، وهي السيناتور تشارلي روان (الذي تلعبه إليزابيث ميتشل) ، والتي تلقي خطابًا تثير به شريحة واسعة من الجمهور، مركزة علي أن الضحايا الرئيسيين للتطهير هم الفقراء والطبقات الأقل حظًا، نظرًا لعدم قدرتهم على الوصول إلى المجتمعات المشيدة بأسوار وإلي الأنظمة الأمنية باهظة الثمن؛ ونري علي الجانب الآخر أن 2020 هي سنة انتخابات الرئاسة الأمريكية المزمع انعقادها في نوفمبر المقبل،
واتهم المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية جو بايدن الرئيس الجمهوري دونالد ترامب بتحويل الولايات المتّحدة إلى "ساحة معركة"، بقصد الفوز بولاية ثانية في الانتخابات القادمة ، ووعد بفعل كل ما بوسعه من أجل "معالجة الجروح العنصرية". وقال بايدن إنّ ترامب "حوّل هذا البلد إلى ساحة معركة تقسّمها مشاعر الاستياء القديمة ومشاعر الخوف الحديثة". وأضاف أن ترامب الجمهوري "يعتقد أن الانقسام يساعده" في الفوز في الانتخابات، والتي يظهر فيها المرشح الديمقراطي متقدما على الرئيس في آخر استطلاعات الرأي.
وفي حالة الوصول إلي نقطة الفوضي الكاملة، سيزيد ذلك من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في عدد من النواحي، حيث يصبح السكان الأكثر حظًا أو الأغنياء أحرارًا لإستهداف السكان الأقل حظًا أو الفقراء ومجتمعاتهم، وعلي الجانب الآخر، قد يستغل الفقراء حالة الفوضي وغياب الرقابة في الإستيلاء علي عدة أغراض وممتلكات، والإتجاه لأعمال السلب والنهب؛ علاوة على ذلك ، فإنه نظرًا للأنماط التاريخية المشتركة للمدن الكبرى للتمييز العنصري ، فإن التطهير في الحياة الواقعية سيؤثر بشكل غير متناسب على اللامساواة المساواة العرقية أيضًا ، حيث من المحتمل أن تستهدف فصائل بعينها أكثر من الأخري.

نظام تأميني طبقي


إن أي أعمال شغب أو حالة فوضي لها تأثيرها السلبي على أسواق التأمين، سواء تأمين علي الحياة و الممتلكات و تأمين صحي وغيرها، والتي يستفيد منها معظم المواطنين والشركات الصغيرة. فيزيد في تلك الحالات احتمالية اتلاف الممتلكات او سلبها او حالات الوفاة الناتجة عن أعمال العنف، فتميل وثائق التأمين على الحياة العامة إلى استبعاد الوفيات المرتبطة بعمليات العنف تمامًا أو تتطلب نفقات تغطية أكثر تكلفة، مما يضخم قضايا نظام التأمين الأمريكي المعقد بالفعل.
بالإضافة إلى ذلك ، ستؤثر مشكلات التأمين على الممتلكات الناتجة عن عملية تطهير في العالم الحقيقي على كل من المنازل والشركات ، كما يمكننا أن نرى مثلما حدث في The Purge: Election Year ، في مشهد يتلقى فيه مالك محل بقالة مكالمة قبل ساعات من بدء عمليات التطهير أو عمليات العنف، أن أقساط التأمين سيتم رفعها بما يتجاوز قدرته.
يمكن للأفراد الأثرياء والشركات الكبيرة بالتأكيد تحمل هذه الأقساط والإجراءات الأمنية الهامة في حين أن الشركات الصغيرة والمواطنين العاديين سيواجهون صعوبات كبيرة في تدبير تكلفة هذا التأمين. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تقييد جغرافي للتأمين على مناطق ذات أمان مرتفع، وهي أماكن ذات دخل مرتفع أو يسكنها طبقة غنية بالضرورة، والتي ستكون أكثر صعوبة في الوصول إليها ومحمية بشكل أفضل أثناء عملية التطهير.
من المحتمل جدًا أن تقرر دول العالم الأخرى عزل أي دولة مليئة بالعنف وعدم الإستقرار ، وقطع السفر وربما إنهاء الدبلوماسية والتجارة أيضًا. فبعد كل شيء ، عندما يكون كل شيء فوضويًا، فهل سيكون حتي هنالك وجود لحكومة فاعلة للتفاوض معها.

المصادر 


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات