القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

مسارات الصراع اليمني في ظل أزمة كورونا



مسارات الصراع اليمني في ظل أزمة كورونا


بقلم: ريم خالد

تعاني اليمن من صراعات وانقسامات منذ خمس سنوات بين الحوثيين والشرعية, وقد أطلقت الحرب الدائرة في اليمن أكبر حالة طوارئ أمن غذائي في العالم، وأوسع حالة مسجلة لوباء الكوليرا على الإطلاق. وقد وقع الملايين ضحية الفقر، وتدمر اقتصاد البلاد، وتدهورت الخدمات العامة الأساسية والبنية التحتية، كما يعيش أكثر من مليون موظف حكومي دون راتب. وقد قُتِل وأصيب آلاف المدنيين أثناء النزاع؛ حيث ارتكبت الأطراف المتحاربة مجموعة من جرائم الحرب وانتهاكات للقانون الإنساني ضد السكان المدنيين، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب والهجمات العشوائية والقتل، فتدخلت قوات التحالف العربي لمساندة الشعب اليمني تحت شعار "إعادة الشرعية اليمنية". وقد أسهمت الحرب في نمو قدرات الحوثيين العسكرية تزامنا مع حصولهم على دعم عسكري غير محدود من إيران, واستمر ذلك مع سلسلة أحداث سياسية. 

فأعلن التحالف العربي بقيادة السعودية هدنة في الثامن من أبريل 2020 لمدة شهر بهدف تهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ دعوة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن لعقد اجتماع بين الحكومة الشرعية والحوثيين وفريق عسكري من التحالف، لبحث مقترحاته بشأن خطوات وآليات تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل دائم في اليمن, بسبب ظهور وتفشي فيروس"كوفيد-19" الذي غربل أجندة العالم وفرض قوانينه وهزّ كبرى دول العالم، والذي سيكون خطرا جسيما على اليمن وأهله، ولن يفرّق بين أنصار الحوثيين أو أنصار الشرعية، ولكن لم يلتزم بها الحوثيون؛ فقد صرح المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف العربي بأن المليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران قامت مساء يوم 22 أبريل 2020، بإطلاق عدد من الطائرات دون طيار (المفخخة) باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بالمملكة، فدعا التحالف المكونات والقوى السياسية والاجتماعية والإعلامية اليمنية كافة لدعم استجابة الأطراف للاجتماع بالرياض, لتنفيذ اتفاق الرياض لما فيه من مصلحة كبيرة لليمن واستعادة الدولة ومؤسساتها لتوفير الأمن، ولتقديم الخدمات للشعب اليمني ورفع المعاناة عنه. 

فيروس كورونا وبداية ظهوره في اليمن 

استفاق العالم على فاجعة غير مألوفة حينما ظهر فايروس كورونا المستجد في مدينة ووهان الصينية في ديسمبر 2019، ثم تفشى واجتاح دول العالم في بداية 2020 وما يزال ينتشر بسرعة رهيبة, وتقرر الإحصاءات أن عدد مصابي كورونا في العالم قد تجاوز حتى مساء الأحد 4 يوليو 11 مليون و15 ألف مصاب، توفي منهم أكثر من 526088 شخصا، وتعافى ما يزيد على الستة ملايين؛ الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية إلى تصنيفه بوصفه جائحةً عالميةً تتطلب التأهب والاستعداد بخطط الاستجابة لمواجهة تفشي الفايروس الذي بات يهدد الكيان البشري والحياة الإنسانية يوما بعد آخر؛ حيث أصاب مئات الآلاف من الناس وحصد أرواح عشرات الآلاف حتى في اكثر الدول تقدما ، وما يزال ينتشر بمعدلات متزايدة, وعجزت الأنظمة الصحية المتقدمة -حتى الآن- عن اكتشاف علاج أو مصل للقضاء عليه. ومن الجدير بالذكر أن جائحة كورونا لم تكن أزمة صحية فقط، بل هي أزمة اقتصادية واجتماعية أدخلت الاقتصاد العالمي في مرحلة الركود الاقتصادي. 

وتعد اليمن ضمن أدنى دول العالم في التنمية؛ حيث تأتي في المرتبة 177 من أصل 189 دولة داخل التصنيف على مستوى العالم، ومنذ تصاعد الصراع في 2015، أبلغت المرافق الصحية في اليمن عن وقوع أكثر من 7600 وفاة وما يقرب من 42,000 إصابة، وبات النظام الصحي في اليمن أحد ضحايا الصراع المستمر. 

وفي اليمن، تعمل 45% من المرافق الصحية فقط بكامل طاقتها، وتعمل 38% من المرافق الصحية جزئياً، فيما توقف العمل تماماً في 17% من هذه المرافق، وتعرض حوالي 274 مرفقاً صحياً للضرر أو التدمير خلال الصراع الجاري. وقد غادرت اليمن الكوادر الطبية عالية التخصص مثل أخصائي وحدة العناية المركزة والأطباء النفسيين وأطقم التمريض الأجنبية. 

واكتُشِفَت أول حالة كورونا في 10 أبريل 2020 بمدينة الشجر بمحافظة حضرموت, ثم تبعها ظهور خمس حالات أخرى في عدن 29 أبريل؛ الأمر الذي أدى إلى انتشار الخطر, وتزايد المخاوف بسبب أن القطاع الصحي في اليمن يفتقر إلى التجهيزات والأدوات الطبية, فضلا عن تدمير واسع للبنية التحتية نتيجة الحرب والصراعات القائمة في اليمن منذ خمس سنوات. 

وأعلنت الحكومة اليمنية مساء يوم الأحد 5 يوليو2020، تسجيل 337 وفيات بكورونا، و1248 إصابة، إضافة إلى تعافي 537 مريضا. 

ولا تشمل هذه الحصيلة الإصابات في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، الذين أعلنوا حتى 18 مايو2020 ، تسجيل أربع حالات فقط بينها وفاة واحدة. ‎ 

مسار الحرب في اليمن 

بدأت الحرب الشاملة الحالية في اليمن بسلسلة متلاحقة من الأحداث في النصف الثاني من عام 2014؛ حيث تصاعدت أعمال العنف التي ترجع جذورها إلى استياء المواطنين من عجز الحكومة الانتقالية عن تحقيق الاستقرار السياسي, وبعد استيلاء الحوثيين على صنعاء وسيطرتهم على المؤسسات الرئيسة فيها ازداد عجز الحكومة. ومنذ أن أعلنت السعودية تدخلها في اليمن تحت شعار "إعادة الشرعية اليمنية" نمت قدرات الحوثي وتحولت إلى ما هو أشبه بالجيش النظامي, مع استمرار حصولهم على الدعم العسكري غير المحدود من إيران، بالإضافة إلى ما يمتلكه الحوثي من صواريخ بعيدة المدى, حصلوا عليها من مخازن الأسلحة الخاصة بالجيش اليمني عام 2015 بمساعدة الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وخلال ست سنوات من المعارك الدائرة, تطورت قدرة الحوثيين العسكرية وطُوِّرَت الصواريخ البالستية، وصولا إلى إنتاج الطائرات دون طيار ثم التحول إلى امتلاك قدرات بحرية هددت طرق الملاحة البحرية, وحافظت على الموانئ التي تقع تحت سيطرتهم؛ الأمر الذي فرض واقعا تفاوضيا رفضته السعودية التي واصلت الاشتباك بغرض الإنهاك. 

التفوق النوعي الذي أحرزه الحوثيون عسكريا فيما يتعلق بالقدرة على ضرب أهداف مدنية وعسكرية في العمق السعودي دون رصدها, لم يخلُ من عامل سياسي أفرزته الأخطاء التي وقع فيها التحالف العربي في اليمن, فتدخلت الأمم المتحدة لتوقيع اتفاق "ستوكهولم" عام 2018 بعد محاولة السعودية السيطرة على ميناء الحديدة الاستراتيجي ولكن دون جدوى, هذا الاتفاق بموجبه أصبح الحوثيون طرفا أساسيا في المفاوضات، وضمنت تلك الاتفاقية وقف إطلاق النار في الحديدة، واستغل الحوثيون الفرصة لإعادة نشر قواتهم في المدن الاستراتيجية والهجوم على مناطق أخرى، مع الاستمرار في تطوير ترسانتهم العسكرية. 

التصعيد الأخير استمر مع سلسلة أحداث سياسية بدايتها إعلان السعودية في الثامن من أبريل الماضي هدنة لمدة أسبوعين، وهي الدعوة التي قدمتها الأمم المتحدة لمحاولة تحويل الهدنة إلى صفقة طويلة الأمد, ولكن رفض الحوثيين أية مبادرات سياسية لا تشمل حلا نهائيا للحرب اليمنية, وهي السياسة التي يتبناها الحوثيون لتغيير موازين القوى لصالحهم. 

وبالفعل تغيرت موازين القوى لصالح الحوثيين بعد الاستيلاء على محافظة الجوف، وهي المحافظة التي تشترك في حدود واسعة مع السعودية, ثم إتجه الحوثيين بعد ذلك لإسقاط محافظة مأرب النفطية والاستيلاء عليها، وهو الفصل الأخير في القصة. 

قبل شهرين من أبريل دعت السعودية ممثلين عن جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية لإجراء محادثات سلام في الرياض، وهذا القرار تم التوصل إليه بعد اقتناع السعودية أن استمرار الحرب ليس في صالحهم, ولكن الحوثيون يبحثون عن حل نهائي لوجودهم وتمثيلهم السياسي، في حين ترفض السعودية الاعتراف النهائي بهم وتصر على التدخل العسكري في وقت تنامت فيه القدرات العسكرية للحوثيين بما يشكل نوعا من الصعوبة في المفاوضات. 

التفاوضات السرية في فترة عدم التصعيد إلى جانب الهدنة وما تبعها من أسباب سياسية متعلقة بأوضاع الجنوب, وإنسانية مرتبطة بتفشي فيروس كورونا في اليمن لم تُفضِ إلى أي حلول؛ لأن الرؤى بين الطرفين ما زالت متباعدة, فسيؤدي ذلك إلى تحمل التحالف وحده فاتورة الوضع الإنساني المتفاقم في شمال اليمن وجنوبه. 

وقد دفع عدم تخلي السعودية عن الحل العسكري إلى ترحيب الامم المتحدة بوثيقة الحل الشامل التي أطلقها الحوثيون في إبريل الماضي، التي شملت وقفا شاملا لإطلاق النار, ولكن السعودية لم تجد فيها مكسبا استراتيجيا لها بين بنودها. 

وفي الوقت الذي تضطر فيه السعودية لاستئناف الحرب لمنع التفاوض مع الحوثيين, تجد الجماعة نفسها مضطرة لخوض التصعيد وإحراز إنتصارات ميدانية, وفي النهاية تجبر أطراف الصراع على الجلوس إلى طاولة المفاوضات, مما يعني أن كل طرق المفاوضات تؤدي إلى الحرب. وسبق أن تواصلت السعودية في نوفمبر العام الماضي إلى الاتفاق المعروف باسم "اتفاق الرياض" الذي قضى بتقاسم السلطة بين الحكومة اليمنية الشرعية والمجلس الانتقالي, والذي حدد الترتيبات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية اللازمة. 

وأهم بنود الاتفاق: 

الترتيبات السياسية 
تشكيل حكومة كفاءات سياسية لا تتعدى 24 وزيرا، يعين الرئيس أعضاءها بالتشاور مع رئيس الوزراء والمكونات السياسية، على أن تكون الحقائب الوزارية مناصفة بين المحافظات الجنوبية والشمالية، وذلك خلال مدة لا تتجاوز 30 يوما من توقيع الاتفاق، بشرط أن يكون الوزراء ليس لهم أي أعمال قتالية أو تحريضية. 
تعيين رئيس الجمهورية -بالتشاور- محافظا ومديرا لأمن محافظة عدن خلال 15 يوما من توقيع الاتفاق، فضلا عن تعيين محافظي ومديري أمن بقية المحافظات الجنوبية خلال 60 يوما. 

الترتيبات العسكرية والأمنية 
عودة القوات جميعها التي تحركت من مواقعها ومعسكراتها الأساسية باتجاه عدن وشبوة وأبين، منذ شهر أغسطس الماضي، إلى مواقعها السابقة، على أن تحل محلها قوات الأمن التابعة للسلطة المحلية في كل محافظة خلال 15 يوما من توقيع الاتفاق. 
تجميع ونقل الأسلحة من القوات العسكرية والأمنية جميعها في عدن خلال 15 يوما من توقيع الاتفاق، إلى معسكرات داخل عدن، تحددها وتشرف عليها قيادة التحالف العربي. 
نقل القوات العسكرية التابعة للحكومة والتشكيلات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي في محافظة عدن جميعها إلى معسكرات خارج المحافظة، تحددها قيادة التحالف العربي، خلال 30 يوما من تاريخ توقيع الاتفاق، وذلك باستثناء قوات حماية القصور الرئاسية. 
توحيد القوات العسكرية التابعة للحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي وضمها لوزارة الدفاع، وتوزيعها وفق الخطط المعتمدة تحت إشراف مباشر من قيادة التحالف خلال 60 يوما من توقيع الاتفاق. 
تولي قوات الشرطة والنجدة في محافظة عدن مسؤولية تأمين المحافظة، وإعادة تنظيم القوات التابعة للحكومة والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي وفق الاحتياج وخطة تأمين، على أن ترتبط بمدير الأمن في المحافظة وتتبع لوزارة الداخلية، وذلك خلال 30 يوما من توقيع الاتفاق. 
إعادة تنظيم القوات الخاصة ومكافحة الإرهاب في محافظة عدن، واختيار عناصرها الجديدة من الشرعية والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي، تكون تابعة لوزارة الداخلية، خلال 30 يوما من توقيع الاتفاق. 
توحيد وإعادة توزيع القوات الأمنية، وضمها لوزارة الداخلية، خلال 60 يوما من توقيع الاتفاق، بالإضافة إلى إعادة تنظيم القوات الأمنية في محافظتي أبين ولحج تحت قيادة وزارة الداخلية بالإجراءات نفسها التي طُبِّقَت في محافظة عدن. 

الترتيبات الاقتصادية 
إيداع إيرادات الدولة، بما فيها الإيرادات النفطية والضريبية والجمركية، في البنك المركزي في عدن، وإعادة تشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتفعيل دورها، وإعادة تشكيل وتفعيل المجلس الاقتصادي الأعلى. 

واتفاق الأهداف غير المعلن بين الشمال والجنوب قاد لتصعيدات متزامنة في التوقيت نفسه؛ فبينما بدأ الحوثيون تصعيدا باستهداف مواقع داخل المملكة, كانت قوات المجلس الانتقالي في الوقت نفسه تستعد لانتزاع محافظة سقطري, بعد عزل محافظها وطرد قوات الحكومة المدعومة من السعودية. 

وتتجه أنظار السعودية حاليا إلى الجنوب اليمني بعد نقاشات أفرزتها شخصيات يمنية محسوبة على حزب الإصلاح, حول إعادة الشرعية اليمنية عن طريق تدخل عسكري تركي, بعدما فشلت السعودية والإمارات على مدار ست سنوات في إنهاء الحرب, وهي الطريقة السياسية الجديدة التي إستخدمها الحوثيون للتصعيد في الشمال أملا في الوصول إلى تحكيم عسكري يدفع إلى مسار سياسي أو إلى الاعتراف النهائي بهم في المفاوضات. 

لا شك أن حل الأزمة اليمنية يتطلب جهوداً إقليمية ودولية كبيرة لإعادة الثقة بين الأطراف اليمنية بعضها البعض، وأيضا بينها وبين التحالف؛ حيث خلفت سنوات الحرب الطويلة شقاقا كبيرا، لذا فإن أية مبادرة منفردة من أحد الأطراف لن تكون فاعلة ولن تقود إلى طاولة الحوار. 

قرار وقف إطلاق النار 

كانت الأمور مروعة في اليمن، وما تزال محاولات حل الأزمة في اليمن مستمرة، وذلك بعد خمس سنوات من الحرب المتواصلة. 

حيث دعا الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيرتش" إلى تكثيف الجهود الهادفة إلى دفع أطراف النزاع اليمني لتوحيد مساعيها بهدف وقف إطلاق النار وتخفيف معاناة الشعب اليمني. 

وأكد الأمين العام أن الأمم المتحدة تعمل على جلب أطراف النزاع لإجراء مفاوضات وتقديم "إجراءات بناء الثقة"، خاصة فيما يتعلق بعمل المطارات والموانئ بالتزامن مع إطلاق عملية سياسية في البلاد. 

وناشد غوتيرتش التحالف العربي بقيادة السعودية وجماعة "أنصار الله" على تجاوز الخلافات بأسرع وقت بشأن الإجراءات الإنسانية والاقتصادية الواجب اتخاذها في سبيل دفع جهود السلام إلى الأمام ومساعدة البلاد في مواجهة جائحة كورونا. 

ولا يمكن التوصل إلى تسوية داخل حدود اليمن إلا في حالتين، هما انتصار واضح يمنح أحد الأطراف القدرة على فرض الشروط المستقبلية على الجميع، أو أن يقدم الجميع تنازلات كبرى ولا يكون أحد منهم قادرا على تجرعها. 

أولى هذه التنازلات التي يمكن أن تفتح أبواب التسوية هي: 

إعلان صريح من جماعة الحوثي بالقبول بأن يكونوا شركاء متساوين في الحقوق والواجبات، وأن يستعدوا إلى تسليم أسلحتهم الثقيلة بعد تكوين حكومة وحدة وطنية, وتكون مهمتها الأولى هي نزع سلاح الميليشيات جميعها دون استثناء والتجهيز لعمل المؤسسات الحكومية في العاصمة "صنعاء", كما يجب عليهم طمأنة الإقليم بأن تكون كل العلاقات الخارجية لكل الأطراف محاطة بالحكومة اليمنية. 

الطرف الثاني هو الشرعية التي تمثل أضعف الأطراف، وهو ما يبرر تمسكه بالقرار الدولي "2216" بعدما فقد القبول الشعبي وأظهر ضعفه في الميدان, ولذلك اصبح بقاؤه يعتمد كليا على احتياج ودعم الإقليم له، وتعد عودته الشرعية مرهون باتفاق سياسي، ولا بد أن ينتزع منها بقية الأوراق التي أضاعها تباعا خلال السنوات الخمس الماضية, ومنها عدم استعجال الشرعية وعدم قبولها لكل المقترحات التي طُرحت، التي يجب أن تدرك أنها ستُفرض عليها تدريجيا عن طريق انتزاع بقية المناطق التي تقع تحت سيطرتها حاليا، والتي لا تستطيع الدفاع عنها. 

وعلى الشرعية أيضا أن تفهم وتستوعب أن كل محاولات الترقيع التي تحاول بعض القوى تمريرها لن تكون ذات جدوى من دون عملية إحلال كاملة للقيادات التي تسيدت المشهد طيلة ثمانِ سنوات. 

الطرف الثالث هو "المجلس الانتقالي الجنوبي"، وهو الطرف المتحرر من كل القيود والالتزامات الداخلية والدولية عدا "اتفاق الرياض" الذي منحه اعترافا دوليا وإقليميا ومحليا بأنه الممثل الأكبر والأهم في الجنوب لأية تسوية مقبلة. وما كان للمجلس أن يصبح طرفا إلا مستفيدا من ضعف الشرعية, التي أتاحت له ذلك بغيابها المستدام وفسادها وعدم قدرتها, فاستحوذ على العاصمة البديلة عدن, ثم محافظة سقطري. 

وعلى الرغم من الاتهامات التي تُلقى على دولة الإمارات العربية المتحدة بمساندته, فإن ذلك لم يكن كافيا لو كان للشرعية حاضنة شعبية تدافع عن مشروعها وتقف معها، وعلى الرغم من ذلك سيظل المجلس الانتقالي هو طرف غير قادر على الاستمرار من دون تسوية سياسية شاملة، وقبل ذلك إجراء مصالحة جنوبية تعطي إلى كل الفصائل الجنوبية القدرة على المشاركة في صنع واتخاذ القرار المرتبط بمستقبل الجنوب, إما بالانفصال وإما الدولة الاتحادية من إقليمين. 

ويسير الانتقالي نحو الحالة السياسية التي تسهم في الاقتراب من وقف الحرب نهائيا, ولكنه سيبقى متعثرا في محاولات إدارة الجنوب بمفرده؛ لعدم وجود القدرات المالية التي تساعده على تحسين صورته أمام المواطنين. 

معوقات السلام غير هينة، لكن من الممكن تجاوزها إذا إقتنعت كل الأطراف أن القوة لن تأتي لأيٍّ منهم بمبتغاه، وهو ما أثبتته سنوات خمس ماضية، ولم يعد أمامهم جميعا المزيد من الوقت لتحقيق ونيل أكثر مما يقع تحت أيديهم اليوم. 

واليمن حاليا دخلت في مرحلة يجب على المجتمع المدني خلالها أن يتحمل مسؤولياته، فالتحالف لم يطالب أبدا بإقصاء الحوثيين أو إلغائهم بوصفهم مكونا موجودا على الساحة اليمنية، ولكن يتطلب الحل وجود أصوات عاقلة بين الحوثيين، وأن يوقنوا بأنهم لن يكونوا قادرين على تحقيق حل عسكري، كما أن التحالف لم يشأ التصعيد الكامل لأن معظم المناطق التي يتحصن بها الحوثيون بها مدنيين وهي مناطق سكنية، لذلك لا حل لتلك الأزمة سوى بالتسوية السياسية. 

على الرغم من ذلك فإن الحوثيين يواصلون اختراق كل التهدئات ويشنون هجمات، لذلك يضطر التحالف من حين لآخر إلى شن غارات لوقف الهجمات الحوثية. 

وتعد الجهود المخلصة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لتسوية الخلافات بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي وفقا لاتفاق الرياض، باعتبار أن الالتزام بتطبيق ما نص عليه مدخلاً أساسا لمرحلة العمل السياسي التي يؤمل أن تقود إلى الحل السياسي الشامل. 

ولذلك يجب على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه: 

· جعل اليمن أولوية في استجابة الاتحاد الأوروبي العالمية ل كورونا, وزيادة إجمالي المساعدات الإنسانية للبلاد. 

· الدعوة والتعبير عن رغبته في مشاركة الخدمة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي في مجموعة اتصال دولية بقيادة الأمم المتحدة للمساعدة في تنسيق مسارات الوساطة تحت مظلة الأمم المتحدة، ونشر الجهود الدبلوماسية بشكل أكثر فعالية لدعم وقف إطلاق النار وعملية السلام. 

· الدعوة إلى توسيع نطاق الجهود التي تقودها الأمم المتحدة، لضمان وقف إطلاق النار واستئناف سلام اكثر شمولا. 

· تكثيف الدبلوماسية المباشرة مع الحوثيين في صنعاء والمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن, ربما من خلال إنشاء وفد دائم في كلا الموقعين. 

· إعادة تنشيط الجهود لإرساء الأسس التقنية لمطار صنعاء الدولي لإعادة فتحه للرحلات الجوية التجارية. 

ومن الممكن أن تستمر اليمن في حالة من السوء إذا لم يُحتوى وباء كورونا، وتصاعد القتال والأزمة الاقتصادية المتسارعة، فإن أكبر كارثة إنسانية في العالم ستنمو، في حين أن قدرة الجهات الفاعلة المحلية والدولية على التخفيف من أسوأ آثارها ستتقلص. 

وتهدد جائحة كورونا الآن بإرباك نظام رعاية صحية ينهار بالفعل تحت ظل أضرار الحرب، ونقص الأموال، في حين تتقلص المساعدات الإنسانية. يتصاعد القتال بعد هدوئه في أواخر عام ٢٠١٩، في حين أن جهود الوساطة الوطنية وغير الوطنية التي تقودها الأمم المتحدة والجهات الفاعلة الإقليمية، خاصة السعودية، مجمدة إلى حد كبير بسبب عناد أطراف النزاع وتضخم العلاقات الدبلوماسية المترابطة غير منسقة المبادرات. 

وتتفاقم أيضا الأزمة الاقتصادية؛ حيث تنخفض الإمدادات من العملة الصعبة بشكل كبير وملحوظ، وانخفاض دخل اليمن من النفط. 

لذلك تحتاج الأمم المتحدة -بالإضافة إلى الشركاء الدوليين الآخرين- إلى إبقاء أعينهم على جهود صنع السلام، حتى عندما يساعدون في تخفيف تأثير الوباء في هذا البلد المضطرب. كانت الأمم المتحدة تأمل في البداية إلى تحويل تهديد الوباء إلى فرصة لحل النزاع؛ حيث دعا أنطونيو "الأمين العام للأمم المتحدة" إلى وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني في ٢٥ مارس ٢٠٢٠ باستجابة كورونا المنسقة. 

وأدلت حكومة الرئيس "عبد ربه منصور هادي" والحوثيون والعديد من الجماعات اليمنية المقاتلة بيانات عامة داعمة، وأعلن مارتن "مبعوث الأمم المتحدة الخاص" مبادرة في وقت لاحق، شملت وقفا لإطلاق النار على الصعيد الوطني، وتدابير لبناء الثقة الاقتصادية والإنسانية، وأحيت محادثات السلام برعاية الأمم المتحدة. 

ولكن يبدو أن الأطراف المتحاربة تحسب أن الفيروس يشكل خطراً أقل على مواقفها مما قد يعرض تسوية سياسية، واستمر القتال، ولم يشارك كل من الحكومة والحوثيين في اجتماع الأزمة لمناقشة اقتراح "جريڤيتش". 

وأعلنت السعودية ومددت ما تسميه بوقف إطلاق النار من جانب واحد دعما لمبادرة الأمم المتحدة، ولكن من الناحية العملية، استمرت الرياض في دعم الحملة العسكرية للحكومة وشن غارات جوية ضد الحوثيين، ووصف جماعة "أنصار الله" إعلان وقف إطلاق النار السعودي بأنه خدعة إعلامية، وواصلوا جهودهم الحربية بلا هوادة. 

يشير منحنى الاتجاه للقتال أكثر وليس أقل؛ حيث تصاعد النزاع المسلح والعداء السياسي على مدى الأشهر الأربعة الأولى من عام ٢٠٢٠ بعد فترة راحة في عام ٢٠١٩ بسبب محادثات السعودية_الحوثيه لخفض التصعيد، وحقق الحوثيون مكاسب إقليمية كبيرة. 

وفي ٢٥ أبريل عام ٢٠٢٠، لم توفِ "قوات المجلس الانتقالي الجنوبي"، التي دفعت القوات الموالية لهادي خارج عدن في أغسطس ٢٠١٩، بشروط اتفاقية الرياض التي توسطت فيها السعودية بإعلانها "إدارة ذاتية" في اراضي جنوب اليمن المستقلة سابقاً. 

ومنذ ذلك الحين بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي في السيطرة على مؤسسات الدولة في عدن وما زال مستمرا. 

ردت الحكومة في ١١ مايو ٢٠٢٠ بشن هجوم على محافظة أبين الجنوبية بهدف إخراج قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من "زنجبار" عاصمة المحافظة. 

وقد رحبت مصر، في 23 يونيو 2020 ، بإعلان تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية، استجابة الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي لطلب الوقف الشامل لإطلاق النار والتصعيد في اليمن. ودعمت مصر الجهود كافة التي تهدف إلى تحقيق السلام والأمن والاستقرار في اليمن، وتضمن وحدته وسلامة أراضيه وترفع المعاناة عن الشعب اليمني الشقيق. 

حيث أعلن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، في 26 يونيو2020 ، عن تمديد وقف إطلاق النار الشامل في اليمن لمدة شهر, وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف العربي "تركي المالكي" إن تمديد وقف إطلاق النار لمدة سيكون لمدة شهر اعتبارا من الخميس 23 يونيو 2020. 

وقال المالكي إن قيادة التحالف العربي اتخذت قرار تمديد وقف إطلاق النار بناءً على إعلانها السابق بتاريخ 8 يونيو 2020، بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، لإتاحة الفرصة لإحراز التقدم في المفاوضات مع الطرفين حول وقف إطلاق نار دائم، وكذلك الاتفاق حول أهم التدابير الاقتصادية والإنسانية، ولاستئناف العملية السياسية. 

ويعد قرار وقف إطلاق النار استمراراً لجدية ورغبة التحالف العربي في التخفيف من معاناة الشعب اليمني الشقيق والعمل على مواجهة جائحة كورونا ومنعها من الانتشار بقدر الإمكان. 

حيث جاء القصف بعد ساعات من استجابة الحكومة وقوات الجيش الوطني بتوجيهات رئاسية لدعوة وقف إطلاق النار، ولم يستجب الحوثيون المدعومون من إيران للقرار، وقاموا مساء يوم الأثنين 22 يونيو 2020 بإطلاق عدد من الطائرات دون طيار (المفخخة) باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بالمملكة، وكان لا بد أن يكون قرار وقف إطلاق النار من جانب الأمم المتحدة وليس من جانب أحد أطراف الحرب. 

على الرغم من ذلك يرفض التحالف أية ممارسات تضر بالأمن والاستقرار وتخالف اتفاق الرياض, وأكد التحالف أنه يقف دائما إلى جانب اليمن وشعبه ومستمر في جهوده لتوحيد صفوف الشعب اليمني ودعم مسيرته لاستعادة دولته وأمنه واستقراره وسلامة ووحدة أراضيه، كما أن التحالف ودولة الإمارات العربية المتحدة يدعوان المكونات والقوى السياسية والاجتماعية والإعلامية اليمنية كافة إلى دعم استجابة الأطراف للاجتماع بالرياض، والعمل بشكل جاد لتنفيذ الاتفاق لما فيه من مصلحة كبيرة لليمن، واستعادة الدولة ومؤسساتها لتوفير الأمن، ولتقديم الخدمات للشعب اليمني ورفع المعاناة عنه. وكان المجلس الانتقالي يعي أهمية الاتفاق وضرورة العودة الفورية لتنفيذه. 

لذلك نظرا لما تشهده اليمن -بشكل خاص- من انتشار فيروس كورونا وتأثيره في الحياة بأشكالها وجوانبها كافة, بجانب الكوليرا, والحروب والصراعات القائمة باليمن منذ زمن طويل، وما نتج عنه من تدهور البنية التحتية والقطاع الصحي وتدهور الاقتصاد والحالة الاجتماعية لليمنيين, لذا لا بد من مفاوضات سلام في جميع الحالات تتم بين الطرفين؛ لأن كورونا لا تميز بين حوثيين وشرعية، وإذا انتشرت بشكل كبير في اليمن سوف تقضي عليها كاملا. 

أما اذا حُجِّمَ الفيروس وقُضِيَ عليه فسوف يستغل الحوثيون فترة الهدنة القائمة حاليا "وقف إطلاق النار" وسوف يثبتون أقدامهم ويفرضون أنفسهم باعتبارهم هم الطرف الأقوى. 























هل اعجبك الموضوع :

تعليقات