القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

العقد الاجتماعي: مفتاح السر العربي



العقد الاجتماعي: مفتاح السر العربي

بقلم: أحمد موسى

بعد ظهور فيروس كورونا، وتفشي أثاره السلبية في دول العالم جميعها، ظهرت قدرة بعض الدول على الصمود في مواجهة الأزمات، وظهر أيضا ضعف دول أخرى وعدم قدرتها على استكمال مسيرتها التنموية بالأسلوب القديم نفسه، فأعلنت بعض الشركات المهمة في تلك الدول إفلاسها، وأعلنت حكومات تلك الدول ارتفاع مستوى العجز في الموازنة العامة؛ لذلك اتخذت هذه الدول بعض الإجراءات المهمة لتخفيف حدة الأثار السلبية لفيروس كورونا. 

ومن أهم تلك الإجراءات: فرض ضرائب جديدة، وزيادة نسبة الضرائب القائمة. 

ومن أبرز تلك الدول الأكثر إنتاجا للنفط في العالم الدول العربية، وبصفة خاصة دول الخليج العربي. 

السؤال الآن: ما السبب وراء وصول اقتصادات تلك الدول إلى ذلك المستوى المتدني على الرغم من عظم ميزانيتها، وإيراداتها، وكونها تمثل فاعلا قويا في سوق النفط العالمي؟ 

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعود بالزمن خمسين عامًا على الأقل، أي بعد خروج الاستعمار الأجنبي من الدول العربية في الخمسينيات من القرن الماضي تقريبا؛ حيث تولى زمام الحكم في الدول العربية عدد من الحكام لكل منهم أسلوبه في إدارة البلاد، ورؤية مختلفة في إعادة إعمار الدولة التي يحكمها. 

وعلى الرغم من اختلاف أساليبهم في الحكم والإدارة، فإنهم اتفقوا في نقطة واحدة؛ ألا وهي وحدة قواعد العقد الاجتماعي. 

العقد الاجتماعي: هو اتفاق ضمني بين الحاكم والشعب، يضع الصورة واضحة أمام الطرفين عن طريق تحديد الحقوق والواجبات لكل من الطرفين؛ وبالتالي فإن ذلك العقد الضمني يمثل دستورًا يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم. 

وبالنسبة للحكام العرب، فقد استغلوا ذلك العقد استغلالًا في غاية القذارة والاستبداد. 

لقد قاموا بمساومة الشعوب العربية على حقوقهم الأساسية في الحياة، لكي يضمنوا التمتع بمزايا الحكم والسلطة أطول فترة ممكنة دون أي اعتراض شعبي. 

تقوم الصفقة التي عقدها الحكام مع الشعوب العربية على قاعدة واحدة؛ وهي أن يوفر الحاكم للشعب الرفاهية، والرخاء، وفرص العمل الإلزامية في مؤسسات الحكومة، مقابل ضعف التمثيل الشعبي والاستكانة السياسية. 

ولضمان تنفيذ الحكام لمطالب الشعوب المذكورة في العقد، كان عليهم أن يوفروا مصادر تمويل وإيرادات تضمن الحصول على المال بسهولة ولوقت طويل جدا؛ فاتجهت الحكومات العربية لاستغلال موارد الطبيعة -وخاصة النفط، فقاموا بتصدير النفط إلى الدول الأوروبية، لغرض التصنيع بأسعار عالية، وقاموا بتنشيط قطاع السياحة من أجل تحصيل مبالغ طائلة يوفرون بها الغذاء والعمل الإلزامي للمواطنين. 

وفي وقت الأزمات لا تجد الحكومات العربية وسيلة لسد العجز في الموازنة العامة إلا من خلال فرض الضرائب على المواطنين باعتبارها أسهل مصدر للإيرادات. 

وظل الحال على ما هو عليه، حتى تطبيق الخصخصة في التسعينات من القرن الماضي تقريبا، فمن الطبيعي أن تصل السعة الاستيعابية للقطاع العام في توظيف العمالة إلى حدها الأقصى بعد حوالي ثلاثين سنة من التوظيف الإلزامي، فارتفعت نسبة البطالة، وطالب المواطنون الحكومات بضرورة توظيف العاطلين، فلم تجد الحكومات مفر من تطبيق الخصخصة، أي تسليم زمام الأمور للقطاع الخاص؛ فقامت الحكومات العربية ببيع شركات القطاع العام للقطاع الخاص بأبخس الأثمان بزعم الحاجة إلى تطويرها وتحسين مستوى إنتاجيتها. 

ومع غياب الرقابة، والمتابعة الحكومية لعملية الخصخصة، دخلت الدول العربية مرحلة الرأسمالية القذرة؛ حيث دخل الفساد في هياكل الحكومات العربية عن طريق الرشاوي والوساطة لتسهيل وصول أصحاب المال من القطاع الخاص إلى السلطة والنفوذ. 

ووسط كل ذلك الفساد والمحسوبية كان المواطن هو الضحية، حيث سُحِقَ الضمير العربي لضمان إسكات المواطنين عن طريق إنفاق مبالغ طائلة على أجهزة القمع الحكومية، لتقوم باعتقال وقتل كل من تسول له نفسه أن يعترض على سياسات الحكومة، وظل الحال هكذا إلى أن وصلنا إلى عام 2011. 

شهد عام 2011 نشوب ثورة عارمة شملت عدد كبير من دول الوطن العربي سميت بثورات (الربيع العربي)؛ حيث قامت الشعوب العربية بتلك الثورة لتطالب بعدة حقوق: أهمها ضمان توفير الغذاء، وضمان حرية الرأي والتعبير، والحق في المساواة. والحقيقة أن تلك الثورة كانت بمثابة استيقاظ الضمير العربي من سباته العميق ليحصل على حقه في الحياة بوصفه مواطنًا عربيًا له كرامته ومطالبه التي يجب أن تُنفذ. 

وكانت النتيجة أن الدول العربية التي نشبت فيها تلك الثورة لم تحتمل خطورة الاحتجاجات الشعبية، فاستجابت لمطالب الشارع العربي من خلال عدة صور، منها: سقوط أنظمة الحكم والسعي نحو تكوين أنظمة جديدة، أو تهدئة المواطنين ومحاولة تنفيذ رغباتهم دون اسقاط نظام الحكم. 

وقد تلا تلك الثورة بعض الاحتجاجات في بعض من الدول التي قامت فيها الثورة لتعيد مسار الحكم الجديد إلى طريقه الصحيح نحو تنفيذ مطالب الشعوب. 

إن نشوب الثورة، محاولةً للتخلص من قيود العقد الاجتماعي مع الحكام العرب، قد رسمت ملامح الحياة السياسية والاقتصادية في الدول العربية. بالنسبة لمصر وتونس، فقد استقر بهما الحال إلى نظام حكم مستقر، والسعي نحو تطبيق برنامج إصلاحي لإعادة بناء الدولة تشريعيًا، وسياسيًا واقتصاديًا. 

وأما ليبيا واليمن وسوريا، فقد دخلوا في موجة من الحروب الأهلية، والتدخلات الأجنبية من بعض الدول الخارجية، مثل تركيا وروسيا وإيران. 

وأما الأردن، فلم يسقط نظام الحكم فيها؛ حيث قامت بعض التعديلات الدستورية تضمن التمثيل الشعبي في صنع القرار السيادي، وذلك لتهدئة الشعب، وتجنب خطورة الثورة ونتائجها الوخيمة. 

وبعد سنوات من تلك الثورة العارمة، وبعد استقرار الحال وزيادة التفاعلات الاقتصادية، والاندماج العربي في المجتمع الدولي، ظهر فيروس كورونا ليكشف الستار عن خفايا الماضي والحاضر معًا. 

لقد أثر فيروس كورونا سلبًا في العديد من الدول العربية، مثل السعودية التي وصل عجز الموازنة بها إلى 34.1 مليار ريال؛ ونتيجة لذلك اضطرت إلى اقتطاع 150 مليار من ميزانيتها الترليونية لتخفيض النفقات العامة، ورفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15%، وخاصة بعد أن وصل سوق النفط إلى أسعار متدنية، على الرغم من التعافي النسبي البطيء في الفترة الأخيرة. 

إن السعودية هي أكبر دولة منتجة للنفط في الخليج العربي، وكذلك هي أكثر دولة خسرت بسبب انتشار فيروس كورونا. 

والحقيقة أن ما حدث للدول العربية، وبصفة خاصة المنتجة للنفط، ليس بسبب كورونا، بل بسبب الأسلوب الخاطئ في إدارة البلاد. 

إن الأسلوب الذي تدير به الحكومات العربية الدول الآن، هو نفسه الأسلوب القديم ولكن بذكاء أكثر. 

لقد ضمنت الدول العربية -وخاصة المنتجة للنفط- بيع النفط بأسعار عالية لتحقق إيرادات عالية، وقد كان؛ حيث حققت إيرادات كبيرة جدًا. 

والدليل على ذلك أن شركة أرامكو، أكبر شركة نفط سعودية، قد تساوي إيراداتها ميزانية دولة كاملة. 

ولضمان استقرار الوضع، وعدم حدوث مشكلات اقتصادية، كانت تلك الدول تعمل على تنمية قطاعات الصناعة والتعليم والصحة من إيرادات قطاع النفط، أي إن الإيرادات النفطية تخدم تلك القطاعات الحيوية؛ لتحسين مستوى معيشة المواطنين، لا لتنمية تلك القطاعات تنمية ذاتية. والحقيقة أن ذلك الأسلوب الخاطئ في الإدارة، قد سبب عدد من النتائج الوخيمة المستترة؛ لقد أدى ذلك الأسلوب الخاطئ إلى تشوه سوق العمل، حيث إن معظم فرص العمل التي تتيحها الدولة ترتبط بقطاع النفط وتكرير البترول، بالإضافة إلى أن نسبة كبيرة من العمالة في تلك الدول من الأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة. 

وعندما ظهر كورونا، كشف تلك السلبيات التي نتجت عن إتباع ذلك الأسلوب الخاطئ في إدارة البلاد؛ إذ إن الإيرادات الضخمة التي ينتجها قطاع النفط كانت تخفي كل ما يحدث من فساد ومحسوبية، وارتفاع نسبة البطالة وغيرها. 

ونتيجة لذلك اضطرت الدول العربية -وخاصة الدول المنتجة للنفط- لفرض ضرائب جديدة، وزيادة الضرائب القائمة؛ حلًا سريعًا لسد العجز وتسديد الديون المتراكمة. 

وأخيرًا؛ إن المخرج من ذلك المأزق هو الاتجاه لإصلاح القطاعات الحيوية لتخدم القطاعات الخدمية، لا العكس. 

يجب إصلاح المنظومة التشريعية، وخلق جوٍ من الحرية للمواطنين، وفتح المجال للمشاركة المجتمعية في عملية صنع القرار لضمان تحقيق مستوى عال من الرضا الشعبي، كما يجب تشريع القوانين التي تضمن سيادة القانون، أي تحقيق المساواة، والعدالة الاجتماعية للمواطنين؛ لتتحقق مطالب المواطنين، من خلال تنمية القطاعات الاقتصادية تنمية ذاتية قوية، فتصمد اقتصادات الدول العربية في أوقات الأزمات. 

لإحداث تنمية حقيقة في الدولة، يجب إعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الحكام والمواطنين، بحيث يقوم على أساس تنازل الحكام من أجل خدمة الصالح العام.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات