القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

سلاح تركيا المائي ضد العراق



سلاح تركيا المائي ضد العراق

بقلم: عبدالرحمن عبدالعزيز

بدأت الازمة بين تركيا والعراق منذ زمن بعيد، حين شرعت تركيا في بناء سد اليسو وهو واحد من ضمن مشروع السدود الذي تقوم تركيا بتنفيذه، علمًا بأنه قد وصل عدد السدود في تركيا إلى 579سدًا تم إنشاؤها على مدى العقود القليلة الماضية، لأغراض إمدادات المياه والري وتوليد الطاقة الكهرومائية والتحكم في الفيضانات، بحسب ما أعلنته تركيا، ومعظمها سدود صغيرة. 

بالإضافة إلى مشروع جنوب شرق الأناضول ويتضمنإنشاء 22 سدًا و19 محطة توليد طاقة مائية، (8 محطات بقدرة 74% من القدرة المستهدفة تم إنشاؤها بنهاية عام 2005) وشبكة ري كبيرة على مجريي نهري دجلة والفرات، وتقدر القدرة التخزينية للمشروع بنحو 100 مليار متر مكعب، وهذه القدرة تمثل ثلاثة أضعاف القدرة التخزينية للسدود العراقية والسورية مجتمعة، وتبلغ كلفة بناء المشروع أكثر من 35 مليار دولار، استطاعت تركيا توفير جزء من هذا المبلغ عن طريق الميزانية التركية والباقي عن طريق الاستثمار الأجنبي، وعند اكتمال جميع المشاريع والأعمال والسدود ستتمكن تركيا من التحكم في ‍80% من مياه نهر الفرات ودجلة، وربما هذه هي الغاية الرئيسية لتركيا. 

اختار انشغال العالم بأزمة فيروس كورونا للإعلان عن بداية تشغيل سد إليسو المثير للجدل بسبب تأثيراته إمدادات نهر دجلة، و بذلك يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استفزازاته ضد الدول العربية، ليختار هذه المرة العراق حيث تسبب السد الذي وافقت عليه الحكومة التركية في عام 1997 من أجل توليد الكهرباء للمنطقة؛ في تشريد نحو ثمانين ألف شخص من 199 قرية، وأثار قلق السلطات في العراق المجاور الذي يخشى من تأثيره على إمدادات المياه لنهر دجلة. 

و قد اشتعلت الأزمة مرة أخري بعد سنوات من التوقف والتأخير حيث بدأت تركيا في ملء خزان السد في يوليو/تموز، وهي فترة خطيرة اشتكى العراق الذي يعاني أصلا من مشكلة الجفاف خلالها من انخفاض التدفقات المائية لديه،ودعا نشطاء يقودون حملة ضد المشروع إلى إفراغ الخزان لمخاوف بيئية وثقافية. 

و قد تداولت المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي في بداية شهر يوليو الجاري (2020) صورًا ومقاطع فيديو لنهر شبه جاف في بغداد وأفراد يعبرون منه سيرًا على الأقدام، ففى ظل ما يعانيه العراق وسوريا من التشظى والحروب، وجدا نفسيهما معرضين للجفاف جراء تراجع كمية المياه المتدفقة عبر نهر دجلة إلى نحو 50% بعد أن بدأت تركيا بتحويل المياه إلى سد إليسو، مستغله ضعف حكومتي الدولتين، ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي تُقدِم فيها تركيا على قطع المياه عن العراق وسوريا وتتعمد تعطيشهما، كجزء من مشروع أكبر للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بأكملها من خلال بناء سلسلة من السدود للتحكم في مياه المنطقة. 

الملفت للانتباه هو اعتماد تركيا علي سياسة التسويف والمفاوضات التي لا تنتهي، حيث أنه منذ بداية المشكلة مع تركيا في أربعينيات القرن الماضي والمباحثات مستمرة بين العراق وسوريا من جهة وتركيا من جهة أخرى؛ لبلورة رؤية مشتركة لاستغلال مياه الأنهار بصيغة لا تضر بمصالح جميع الدول، إلا أن تركيا دائمًا ما كانت تتهرب من إبرام أي اتفاق لتقاسم المياه، واذا ما توصلت لاتفاق جزئي فإنها لا تلتزم به، وإنما تعتمد تركيا في سياستها لحل المشكلات المائية على فرض سياسة الأمر الواقع، والمراهنة على عامل الزمن؛ حيث تجر الطرف الآخر في سلسلة مباحثات لا تنتهي، بينما هي ماضية في تنفيذ مشروعاتها دون تشارو مع دول المصب. 

كما استغلت تركيا الخلافات السياسية بين العراق وسوريا في هذا التسويف، فتارة تزعم أن السوريين يرفضون التباحث مع العراقيين وتارة أخرى تدّعي أن سوريا ستحتفظ بالمياه الإضافية إذا خضعت تركيا لمطالب العراق وحصصه المائية. 

وبالرغم من وصول الدول الثلاث )تركيا وسوريا والعراق( إلى اتفاق في عام 1975 بناءً على وساطة من البنك الدولي، قسمت وفقًا له حاجات البلدان الثلاثة بنسبة الثلث لكل منها على متوسط الوارد السنوي، لكن تركيا لم تلتزم به. 

وفي عام 1987 تم توقيع بروتوكول بين سوريا وتركيا بدون العراق تُمنح بموجبه تركيا 50 في المائة من متوسط واردات النهر السنوية لتعبئة خزان سد أتاتورك حتى نهاية ملء السد عام 1933 تعود بعدها حصة تركيا إلى نسبة الثلث. 

ومن المفترض انه تم وقف العمل بهذا البروتوكول لمدة 27عام منذ 1992، إلا ان حصص سوريا والعراق لم تعد أبدًا كما كانت قبل إنشاء سد أتاتورك. 

وعلى ما يبدو فإن تركيا كانت طوال العقود الماضية تحاول التسويف فقط، وبمجرد الانتهاء من السد بات في يدها سلاح جديد تستطيع استخدامه لحرمان سوريا والعراق من المياه إذا لم ترضخا لمطالبها، وهي السياسة التي دعمها سد إليسو وسلسلة السدود المزمع إنشاؤها، وتتعدى حدود دول الجوار، وإنما تهدف للسيطرة على المنطقة بأكملها. 

يبدو أن تركيا لم تتوقف هنا، بل ذهب الأتراك إلى ما هو أبعد من ذلك حيث استُخدمت المياه كسلعة اقتصادية قابلة للبيع، وتم عقد اتفاق تعاون بين تركيا وإسرائيل تتحصل بموجبه إسرائيل على 50 مليون متر مكعب من المياه التركية سنويًا لمدة 20 عامًا، ويتم نقل المياه في عبوات ضخمة تقطرها السفن، ورغم أن تكلفة شراء المياه التركية كانت أعلى من تكلفة تحلية مياه البحر، إلا أن إسرائيل قبلت بالعرض حينها لأن تركيا ربطت بين مسألتي تصدير المياه لإسرائيل وتنفيذها لاتفاق عسكري تشتري تركيا بموجبه دبابات إسرائيلية وتكنولوجيا جوية. وذلك وفقًا لما ذكره تقرير نشرته البي بي سي في أغسطس 2002. 

و بالتالي يمكن تلخيص السيناريوهات المتوقعة للفترة القادمة بعد تمكن تركيا من السيطرة علي المياه فيما يلي: 

1. تهدف تركيا من خلال استغلال مياه دجلة والفرات إلى خلق تنمية بشرية وصناعية وزراعية لإحياء المنطقة الفقيرة تاريخيًا في جنوب شرق الأناضول وتحويلها لسلة للغذاء في الشرق الأوسط، وتطوير المنطقة الفقيرة التي يسكنها قرابة 12 مليون نسمة، بالإضافة إلى توليد الطاقة الهيدروليكية من خلال تلك السدود، إضافةً إلى التحكم في الفيضانات وتخزين المياه. 

2. استخدام المياه كسلاح في الحرب السورية: تزايدت الاتهامات لتركيا باستخدام المياه كسلاح في مشاركتها في الحروب التي تشهدها المنطقة، وكورقة لابتزاز جيرانها، خاصة الأكراد في سوريا، إذ لجأت إلى قطع مياه نهري دجلة والفرات بصفة متكررة، فعلى سبيل المثال؛ خفضت تركيا، في فبراير 2018، مياه نهر الفرات في سوريا لضرب الشمال السوري وإجبار أهله على النزوح، بالتزامن مع عملية عفرين التي شنتها وقتها للاستيلاء على مناطق شمال سوريا. وفي أكتوبر 2019 استهدفت القوات التركية، سد “علوك” شمال شرق سوريا والذي يمد مليوني سوري بمياه الشرب، ضمن الحملة العسكرية التي تشنها تركيا على سوريا، وتعمدت تعطيش سكان المنطقة من خلال وقف ضخ المياه من محطة علوك عدة مرات، آخرها في 4 يوليو الجاري. 

3. السيطرة على منطقة الشرق الأوسط: كثيرًا ما لجأت تركيا إلى توسيع نفوذها باستخدام المياه لفرض إرادتها وسياستها في المنطقة، وذلك من خلال استغلال الأزمات التي تمر بها الدول، فعلى سبيل المثال، في عام 1987م ربط الرئيس التركي آنذاك )توركوت أوزال( منح سوريا حصتها المائية بوقف دعمها لحزب العمال الكردستاني، وكذلك اتفاق بيع المياه لإسرائيل الذي تم ربطه بشراء سلاح منها، وفي عام 1954 قطعت تركيا المياه عن نهر قويق، والذي كانت تعتمد عليه مدينة حلب، بسبب اعتراض تركيا على مشروع سوري يتم بناءً عليه توزيع أراضي الدولة في الجزيرة السورية، وجاء الاعتراضي التركي بدعوى وجود ملكيات تركية فيها، مما دفع السلطات السورية آنذاك لضخ مياه الفرات عبر أقنية للمدينة التي جف نهرها. أما في العراق فالأمر يتعلق بإقليم كردستان وخشية تركيا من استقلال الإقليم، الأمر الذي يفجر الموقف في منطقة جنوب شرق الأناضول ذات الغالبية الكردية، لذا تحاول تركيا الضغط بسلاح المياه ومقايضة استمرار الإمدادات المائية للعراق مقابل الحرب على حزب العمال الكردستاني. وهو ما يتماشى مع رؤية تركيا بأنها إذا استطاعت السيطرة على موارد المياه في المنطقة فإنها تكون قد فرضت سيطرتها بالكامل على الشرق الأوسط، ومما يؤكد النوايا التركية الحقيقية من السدود هو جودة المياه التي لا تعيرها تركيا انتباهًا، وإنما ينصب التركيز كله على الكمية وليس الجودة، فعلى ما يبدو أن الحكومة التركية مهتمة أكثر بالسيطرة على الممرات المائية وتصدير المياه المعبأة من ضمان وصول مواطنيها إلى مياه الشرب. 

وبعد النظر في العدد الكبير للأزمات المائية بين مختلف الدول مثل أزمة سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا والأزمة القائمة بين تركيا والعراق والعديد من الأزمات الأخرى يمكننا القول بأن حرب المياه قد تكون وشيكة للغاية. 


المصادر: 

-الموقع الخاص بالجهاز القومي للإنشاءات التركي, 2020
-موقع قناة BBC في الجزء الخاص بأخبار صراعات المياه, تحت عنوان الأزمة التركية العراقية, 2020 
-جريدة الخبر العراقية, تحت عنوان "تركيا تواصل ضرب الدول العربية, هذه المرة اختارت العراق",2020
-الصحفي العراقي محمد عرفات, مقالة على حسابه الخاص,2020
-الناشط السياسي السوري عبد الله الشامي, مقالة علي حسابه الخاص, 2020
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات