القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار



براءة القرمزي


بقلم: شيماء إبراهيم

يقولون في مثل شعبي: "تعرف فلان، آه أعرفه..عاشرته، لا...يبقى متعرفهوش". هذا يعني أننا نحكم على الأشياء والأشخاص من خلال المواقف والتجارب والأثر المتروك، ولكن هل دائما تصلح هذه المفاتيح معيارًا للحكم؟ فمثلا كيف لشيء ما أن يتحمل تجارب متناقضة تترنح بين قطبين لا يمكن لهما الالتقاء، مثل الفرح والحزن، الحب والنفور، الأمان والفزع، كيف نعرف شيء له خصائص موحدة وثابتة بالشعور ونقيضه في آن واحد بفعل التجربة؟ كيف نثق في حكم التجربة في هذا الموقف؟ 

في الحقيقة كيف له أن يكون ساحرًا لتلك الدرجة، فأنا أحبه ولكن أخشى جرأته، أعشقه حينما تلامس حمرته شفاهي وغالبا لا أضع غيره، ولكن لا أملك شجاعة الخروج بتنورة منه أمام أعين "البصباصين"، أرى أن حيويته تبلغ بي عنان السماء، وأفزع حين أراه على جسد أحدهم، فلن يكون بهذه الحالة غير نذير شؤم وخراب، حقاً كيف للون بريء يُستخرج من حشرة قُرمز صغيرة أن يكون طرفاً في كل هذه التناقضات، حتى بالنسبة لشخص واحد. مسكين القرمزي؟! 

لحظة.. لحظة، ماذا لو أقمنا له محكمة للدفاع عن نفسه، للتعبير عن ماهيته الحقيقية، لنرى كيف يبرر أثره؟ هل هو حقا إنذار بالهلاك أو بميلاد حياة جديدة؟ هل يرى أنه الفاعل الحقيقي، أو نتاج أفعال مرضى الدمار والخراب، وهو فقط مشكاة للحب والسلام؟! 

أضحك وآسى كثيراً عندما أتخيله ينهال علينا بعبارات مفادها: "كيف تفعلون بي ذلك؟ ما بالكم تستمتعون برؤيتي على أجساد بني جنسكم! ألا تشفقون عليهم؟ ألا يعني خروجي منكم جرحًا عميقًا في قلب أحبابكم؟ كيف توصمونني بهذا الوصم يا معتلي الأنفس والعقول؟! أنا حقاً بريء منكم"، مضحك أليس كذلك؟ 

ولكن لا بأس يا صديقي، لا تحزن فأنا أيضا لا أعرف كيف ننادي للحرب بكل هذا التفاخر، كيف لا نجنح للسلم؟ لماذا نسعى للأسى؟ كيف نتخيل أن تلك النيران لن تحرق أرواحنا، وأن رؤيتك على أجساد أبنائنا لا مفر منها؟ فقد بحثت كثيرا عن تفسير لنفسية الإنسان الذي يفضل الحرب، ولم أجد إجابة غير أنه معتل في تركيبته البشرية، بحثت لماذا نحارب في الأساس، لماذا نتزاحم على الأرض والطبيعة، ألم تُخلق لنا جميعا؟ 

تخيلت نفسي كثيرا في أرض مليئة بالدماء، أمامي شخص لا أعرف عنه شيء غير وصفهم له بالعدو، بيدي سلاح ومن السهل أن أخرجك شلالًا من داخله، ولكن يدي لا تستطيع أن تنفذ مطلقا، فالصورة الوحيدة التي أراها خلفه هي صراخ وعويل على حبيب أو أخ أو أب تم فقده، سأرديه قتيلا وأنا حتى لا أعرف اسمه. 

فليذهب جميع المتعطشين إلى الدماء للجحيم، ولتبقَ كما أنت في نظري تعطيني دفعة الحياة، أبلغك الآن بمدى اشتياقي لارتداء فستان أنت صبغته المشعة، ملفوف كما أفضل تفصيله دائماً، وأنا أسير على شاطئ خالٍ من الزحام، تلامس أصابعي الرمال بطلاء أظافر من حُمرتك، وفي أذني يهمس الشيخ إمام: 

"أنا أتوب عن حبك أنا....أنا ليا في بعدك هنا؟"
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات