القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

بعد وصول مصر لأعلى معدلات النمو في الشرق الأوسط، فهل يعنى ذلك تعافي الاقتصاد المصري





بعد وصول مصر لأعلى معدلات النمو في الشرق الأوسط، فهل يعنى ذلك تعافي الاقتصاد المصري؟

بقلم: أحمد موسى

مع ظهور فيروس كورونا في الصين، وبدء انتشاره في دول العالم كافة، اتخذت الدولة المصرية إجراءات استباقية على مستوى القطاعين المالي والنقدي؛ للحد من الآثار السلبية لاصطدام فيروس كورونا بالاقتصاد المصري، حيث خصصت الدولة المصرية 100 مليار جنيه كحزمة تمويل تحفيزية لمواجهة مخاطر فيروس كورونا. 

وعلى الجانب النقدي، قام البنك المركزي المصري بتخفيض سعر الفائدة على الإيداع والإقراض 3% للعمل على زيادة المعروض النقدي في السوق، وتحفيز المستثمرين لجذب استثمارات جديدة. 

ولإحكام السيطرة على فيروس كورونا والحد من آثاره السلبية؛ اتخذت الدولة العديد من القرارات الهامة وعدد من الإجراءات الحازمة الأخرى. وقام عدد من المسئولين بمتابعة الأوضاع في الشارع المصري بأنفسهم للتأكد من انتظام سير الحياة في الشارع، والتزام المواطنين بتطبيق الإجراءات الاحترازية. ونتيجة لتلك الجهود التي قامت بها الحكومة المصرية للقضاء على فيروس كورونا توقع صندوق النقد الدولي وصول الاقتصاد المصري لمعدل نمو اقتصادي 1.4%، وهو أعلى معدل نمو في الشرق الأوسط. 

السؤال الآن: بعد وصول مصر لأعلى معدل نمو في الشرق الأوسط، هل يعني ذلك تعافي الاقتصاد المصري نتيجة لتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي؟ 

هناك عدة عوامل تحكم تعافي الاقتصاد المصري، وتعكس ارتفاع معدل النمو الاقتصادي، منها الاستثمار والسياحة وتحسين بيئة الأعمال من خلال عدة إصلاحات تشريعية ومالية. وإذا نظرنا إلى واقع الاقتصاد المصري بشكل عام سنجده أفضل بكثير مما كان عليه في عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، إذ كانت مستويات الديون مرتفعة جدًا والضغوط المالية لا حصر لها. أما اليوم فالوضع مختلف تمامًا، حيث سجلت مصر لأول مرة فائض أولي قدره 2% من الناتج المحلي في العام المالي 2018/2019. وبالنسبة لمستويات الدين، فقد تمكنت الحكومة المصرية من خفض دين أجهزة الموازنة العامة من 108% من الناتج المحلي في يونيو 2017 إلى حوالي 90% من الناتج المحلي في يونيو 2019. 

إذن فالوضع حتى الآن يشير إلى تحسن كبير نتيجة لتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي. 

لكن إذا درسنا واقع الاقتصاد المصري على مستوى القطاعات لا على المستوى الكلي؛ فإن الأمر يختلف، حيث سنجد العديد من الاختلالات في عدد من القطاعات الهامة. 

لقد طبقت الدولة المصرية المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادي، وكان الهدف منها إصلاح السياسات المالية والنقدية. وعلى الرغم من وجود عدد من السلبيات، إلا أنها حققت عدد من الإيجابيات البارزة، مثل تحقيق فائض قدره 2% في الموازنة العامة للعام المالي 2018/2019. 

وعلى المستوى النقدي، فقد تمكن البنك المركزي من زيادة قيمة الاحتياطي النقدي إلى 5.45 مليار دولار، إلا أنه قد تراجع إلى 37.037 مليار دولار بسبب جائحة كورونا. 

ولكن تلك الإيجابيات لن تمنعنا من عرض السلبيات للكشف عن مواطنها ومعالجتها. 

إذا درسنا السياسات الإصلاحية على مستوى القطاعات؛ سنجد أنها استهدفت توفير فرص عمل للشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحقيق الشمول المالي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، وغيرها من الأهداف العظيمة التي يضمن تحقيقها استقرار الوضع الاقتصادي المصري على أسس حقيقية ثابتة. 

أما إذا نظرنا إلى ما تحقق على أرض الواقع، فسنجد أن الدولة قد طبقت السياسات الإصلاحية من الخارج فقط دون التعمق في المشكلات الصغيرة التي تعوق تنمية القطاعات الاقتصادية. فعلي سبيل المثال، إذا نظرنا إلى هدف توفير فرص العمل؛ فسنجد أن الدولة بشكل عام توفر الآلاف من فرص العمل للشباب سنويًا. أما إذا نظرنا الى ذلك الهدف على مستوى القطاعات فسنجد أن الدولة المصرية قد طبقت السياسات الإصلاحية بشكل أدى إلى تشوه هيكلي في سوق العمل المصري. 

من خلال دراستنا للسياسات الإصلاحية التي قامت بها الدولة؛ اتضح أن الهدف الرئيسي لها هو توفير السيولة المالية، وزيادة إيرادات النقد الأجنبي. لذلك فقد اهتمت الحكومة المصرية بتنمية القطاعات الخدمية أكثر من غيرها، مثل السياحة والتشييد والبناء وتكنولوجيا المعلومات وغيرها. ونتيجة لذلك فقد كانت معظم فرص العمل التي تتيحها الدولة للعمل في تلك القطاعات. وبما أنها تحتاج إلى مهارات ومؤهلات معينة، فقد أدت إلى تشوه سوق العمل المصري. 

يتسم سوق العمل المصري بضعف مرونته في مواجهة الأزمات. كما أن انخفاض معدلات البطالة يعكس صورة غير حقيقية عن واقع سوق العمل المصري. 

وبالنظر إلى هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية سنجد أن العكس هو ما حدث، حيث نجحت مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي من محاصيل أخرى مثل الموالح والفواكه والخضروات والبطاطس في مقابل تراجع معدل الاكتفاء الذاتي للمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة والأرز. ونظرًا لكثرة استيراد الدولة المصرية للمحاصيل الاستراتيجية، فقد ارتفع عجز الميزان التجاري للقمح والذرة على سبيل المثال إلى 4.13، 10 مليون طن على التوالي في 2019. 

ويرجع السبب في ذلك إلى أن المشروعات التنموية في قطاع الزراعة تقوم على أساس استخدام التكنولوجيا والاستفادة من اقتصاديات الحجم في استصلاح مساحات واسعة في الصحراء، حيث أن معظمها ينتج الموالح مثل البرتقال، والفواكه مثل الخوخ والفراولة. ولذلك تتمتع بعدد من المزايا لا تتمتع بها الأراضي في الوادي والدلتا مثل عظم الحيازة الزراعية للأراضي المستصلحة في الصحراء مما يضمن زراعة عدد أكبر من المحاصيل، واتباع أحدث الأساليب الزراعية لتحسين جودة المحاصيل. 

أما بالنسبة للشمول المالي، فمن أهم أهدافه حصر عناصر الاقتصاد غير الرسمي، وضمهم إلى اقتصاد الدولة. والحقيقة أنه على الرغم من النتائج البارزة التي حققتها الدولة في هذا القطاع، إلا أن هناك عدد من العوائق تجعل من تحقيق هذا الهدف أمرًا في غاية الصعوبة. فمن تلك العوائق تعامل الدولة مع الاقتصاد غير الرسمي على أنهم شركات غير رسمية فقط، وهذا يجعل التشريعات الخاصة بالضرائب المستحقة عليهم قاسية، وكذلك البيروقراطية والروتين الحكومي في إجراءات التسجيل التجاري الحكومي. كل تلك المعوقات تمثل أسبابًا منطقية لهروب عناصر الاقتصاد الرسمي من قبضة الحكومة. 

على الرغم من كل تلك الاختلالات التي تصيب أهم القطاعات، إلا أن الدولة قد نجحت في تحقيق الهدف الذي تنشده من البداية، حيث حققت زيادة كبيرة في إيرادات النقد الأجنبي، وتمكنت من تحقيق فائض في الموازنة العامة ساعدها على اتخاذ عدد من الإجراءات الحازمة لمواجهة فيروس كورونا، والحد من آثارها الاقتصادية. ومن أهم تلك الإجراءات صرف منحة قدرها 500 جنيه للعاملين في القطاع العام، وتسهيل إجراءات تسديد القروض، حيث قام البنك المركزي المصري بإعفاء أصحاب القروض من دفع الفوائد لمدة 6 أشهر. 

والحقيقة أن ذلك قد ساعد المزارعين بشكل خاص على تفادي آثار فيروس كورونا، وتقليل الخسائر التي نتجت عن ضعف الطلب الكلي، وعاصفة التنين التي اجتاحت مصر منذ عدة أشهر. 

وأخيرًا، إن الدولة المصرية تسير على الطريق الصحيح. ولكن يجب تفعيل بعض الإجراءات والقوانين الهامة لتصحيح مسار الإصلاح الاقتصادي، والعمل على علاج المشكلات الداخلية للقطاعات، والقضاء عليها بشكل جذري حتى تتقدم الدولة المصرية، وتصبح في مصاف الدول المتقدمة. 





هل اعجبك الموضوع :

تعليقات