القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

تأثير الاحتجاجات الأمريكية في شعبية الرئيس ترامب



تأثير الاحتجاجات الأمريكية في شعبية الرئيس ترامب


بقلم : رضوى رمضان 

استيقظ البيت الأبيض على كابوس مفجع في أواخر شهر مايو الماضي . بعد اليوم التالي من مقتل جورج فلويد - رجل أمريكي من أصل أفريقي يبلغ من العمر 46 عامًا الذي توفي أثناء اعتقاله بعد أن ركع ديريك تشوفين ، ضابط شرطة مينيابوليس ، على عنق فلويد لما يقرب من ثماني دقائق بينما كان ثلاثة ضباط آخرين ينظرون إليه. - بدأت احتجاجات عديدة في مينيابوليس في 26 مايو 2020 كرد فعل على مقتل جورج فلويد . ومن ثم انتشرت موجة الاحتجاجات إلى أكثر من في 550 مكانًا في جميع أنحاء البلاد. وانضم ما يقدر بنحو نصف مليون شخص إليها . في وقت كانت تعيش فيه أمريكا ذروة انتشار وباء كورونا (كوفيد-19) وإصابة الملايين بذلك الوباء . ولم تكن تلك الاحتجاجات الأولى في هذا العام حيث سبقها احتجاجات في العديد من الولايات الأمريكية ضد عمليات الحظر و الحجر المنزلي التي فرضتها الحكومة استجابة لوباء كورونا (كوفيد -19) ونظمت تلك الاحتجاجات ردا على تقييد حرية الحركة الشخصية وطالبت بإعادة فتح دولتهم للأعمال العادية و الأنشطة الشخصية.

إن الاحتجاجات الضخمة التي اندلعت في جميع أنحاء الولايات المتحدة بعد مقتل الشرطة لجورج فلويد وصفت بأنها حركات مناهضة للعنصرية ويطالبون بمساءلة الضباط الذين يسيئون استخدام سلطتهم. ولم تتوقف مطالب الاحتجاجات التي جاءت ردا على مقتل جورج فلويد بمساءلة الضباط فقط . ولكن طالت شرارة تلك الاحتجاجات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه نتيجة اشتراكه في ترسيخ العنصرية ، وبعد محاولته باستخدام وسائل القوة والقمع المفرطة مع المحتجين . حيث هدد ترامب بنشر الجيش في الولايات التي تشهد الاحتجاجات، بينما فرضت عشرات المدن الكبرى حظر التجول ليلًا. ، و فضلا عن خروج الأصوات المعارضة من سياسيين ومنافسين له تنتقد أسلوب تعامله مع تلك التظاهرات والتي من الممكن أن تسقطه من عرش البيت الأبيض.

ولكن هل ستظل شعبية وصورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كما هي أما ستهتز وخصوصا في فترة حرجة يحتاج فيها بشدة الى الحفاظ على شعبيته بل ويسعى لإكتساب المزيد من التأييد في ظل الانتخابات الأمريكية القادمة في شهور نوفمبر القادم من هذا العام ؟!

وللإجابة على هذا السؤال ، يجب توضيح دوافع تلك الاحتجاجات، و رد فعل الرئيس الأمريكي وتأثير ذلك على شعبيته.

دوافع الاحتجاجات الأمريكية


بالرغم من الاعتراف القانوني بأصحاب البشرة السوداء وإعطائهم كافة حقوقهم السياسية والاجتماعية والصحية بل وتوليهم مراكز مهمة في انحاء الولايات إلا أنهم يعانون حتى الآن من بعض مظاهر العنصرية الموجه ضدهم سواء على الصعيد الوظيفي أو الشخصي . فالعنصرية مدموجة في الحمض النووي الأمريكي . والحلم الأمريكي الذي ينص على المساواة والحرية ما هو إلا واجهة عامة تجذب انتباه باقي الشعوب وتثير إعجابهم ولكن تغطي وراءاها تاريخ طويل من الظلم والعبودية والعنصرية والطبقية ومازالت تمتدد أثارهم حتى الآن .

فلم تكن حادثة جورج فلويد إلا الفتيل الذي أشعل حريق الاحتجاجات وجعل كل من يعاني من العنصرية أو معارض للظلم الذي يتعرض له أصحاب البشرة السوداء ينفجروا في مسيرات ضخمة محتجين على نظام عنصري غير عادل ومنتهك لحقوق الإنسان.

و كان على رأس تلك الدوافع التي ظهرت في شعارات المتظاهرين تدور حول المطالبة بالعدالة لجورج فلويد ، وتغيير ممارسات الشرطة ، وتحقيق العدالة والمساواة ، وكانت هذه المطالب مرتبطة ببعضها البعض. فإن مقتل جورج فلويد ، الذي أثار الأحداث وقتل مواطن بهذه الطريقة الوحشية بل وتصوير الحادث وانتشاره على وسائل التواصل الاجتماعي عبر عن مستوى وحشي من العنف تمارسه الشرطة الأمريكية منذ عقود .

ولم تثير تلك الأسباب الاحتجاجات فحسب، بل أيضًا السياق العام والخطاب الرئاسي في الولايات المتحدة في عهد ترامب. فبشكل عام ، يمكن توضيح دوافع الاحتجاجات في الولايات المتحدة الأمريكية من منظور حالة الإحباط واليأس نتيجة أزمة كورونا ( كوفيد-19 ) الذي أدى الى انقطاع أكثر من 40 مليون عامل عن العمل في غضون أزمة اقتصادية حادة وجعل ذلك شريحة كبيرة من المجتمع الأمريكي وخاصة الشباب الى النزول في الاحتجاجات لينفجروا عن ما بداخلهم . أو بسبب حالة من الإزدواجية المعيارية الشديدة والانقسامات الداخلية في المجتمع نتيجة لخطابات ترامب المملوءة بالكراهية والعنصرية ، التي شجعت على صعود اليمين المتطرف، واليسار الراديكالي أيضًا في السنوات الأخيرة . بل والإضافة الى الصراع الحزبي المستمر بين الحزبين الرئيسسين (الديمقراطي والجمهوري ) سواء بسبب أسباب داخلية أو من خلال آثار ظاهرة ترامب على المجتمع الأمريكي. بالإضافة إلى ذلك التوقيت. جاءت تداعيات أزمة كورونا (كوفيد-19) وحادث جورج فلويد في عام الانتخابات الرئاسية والتي ستكون في وضع حرج وحاسم للعديد من التفاعلات داخل المجتمع الأمريكي.

رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب


ومن الناحية الأخرى من مسيرة الاحتجاجات المتواصلة التي ضربت أنحاء البلاد ، كانت ردود أفعال ترامب مستفزة ومثيرة للشكوك حيث لجأ ترامب إلى استخدام القوة الصلبة (Hard Power) في مواجهة موجة الاحتجاجات التى ضربت البلاد . حيث لجأ الى التهديد واستخدام وسائل العنف والقمع ضد المتظاهرين . وفي الوقت الذي هدد فيه ترامب مرة أخرى بتقويض المعايير الدستورية ، قام بتهديد المتظاهرين بتحويل جيش الأمة ضد مواطنيها ، وواجه ردة فعل غير عادية. وعبر مستشاروه العسكريون عن فزعهم الصامت. وعارضه العديد من القادة المتقاعدين الأكثر تميزًا في الجيش ، بما في ذلك وزير الدفاع الأول في إدارة ترامب حيث وصفوه بأنه فعليًا يمثل تهديد للبلاد.

وبالفعل تم نشر حوالي 1700 من أفراد الحرس الوطني في العاصمة واشنطن ، وتم نشر أخرون منهم في مينيابوليس بولاية مينيسوتا ، وفي أكثر من عشرين مدينة أخرى لمواجهة الاحتجاجات . و كانت إحدى الوسائل التي تم بها قمع الاحتجاجات هي عسكرة الشرطة ، وتسليم الأدوات العسكرية لأعضاء الشرطة وتنفيذها للغارات واستخدمت الشرطة عدداً من وسائل القمع لمواجهة الاحتجاجات عن طريق استخدام قنابل الغاز ، القتل والاعتقالات والسجن. وكل هذا يتعارض مع الحق في التجمع السلمي كما وتحد من قدرة الصحافة على تغطية الاحتجاجات. ولم يكتفي الرئيس الأمريكي بذلك بل وجه انتقاداته لحكام الولايات، واتهمهم بالضعف أمام هذا الحراك، وطلب منهم استخدام أقصى درجات قمع المتظاهرين.

شعبية الرئيس الأمريكي في خطر


يعتبر الأمريكيون القضايا العرقية مهمة في الحملات الانتخابية، مثلها مثل الاقتصاد والرعاية الصحية. وبالنسبة لمعظم السنوات الثلاث الماضية ، كان الشيء الوحيد غير المجدي أكثر من البحث عن محور اهتمام دونالد ترامب هو توقع قيام الشعب الأمريكي بتلك الاحتجاجات أو بظهور جائحة كورونا الغير المتوقعة . و بغض النظر عن مدى نجاح الرئيس ، أو في كثير من الأحيان ، مدى الفوضى والاضطراب في إدارته ، يبدو أنه لا يوجد شيء قادر على تغيير آراء الناس حول ترامب.

و يواجه دونالد ترامب أصعب محنة سياسية منذ انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية بسبب تعامله مع أزمة الاحتجاجات الضخمة التي اجتاحت البلاد بعد مقتل جورج فلويد على يد الشرطة . بل ويعكس موقف بعض مساعديه الحاليين والسابقين واستطلاعات الرأي الخاصة بشعبية الرئيس على إضعاف موقفه قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل. حيث وصلت شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أدنى مستوى لها ، ما يقرب من 40 ٪ ، بعد احتجاجات مناهضة للعنصرية وانتهاكات من قبل قوات الشرطة ، بالتزامن مع تسارع جديد في انتشار جائحة كورونا في البلاد.

كشف استطلاع جديد لـ CNN أن تصنيف الرئيس الأميركي دونالد ترامب انخفض بنسبة 7 نقاط في الشهر الماضي بل ويسبقه منافسه الديمقراطي جو بايدن بفرق نقاط كبير. وبالإضافة الى استطلاع أجرته ال CBC أن ما يقرب من 50 ٪ من المشاركين في الاستطلاع لا يوافقون على تعامل ترامب مع الأحداث الأخيرة ، بينما يوافق 32 ٪ فقط. وهذا هو أسوأ تصنيف يحصل عليه ترامب منذ 2019، ويشابه تقريبا تصنيفات الموافقة للرئيسين جيمي كارتر وجورج دبليو بوش في هذه المرحلة من سنوات إعادة انتخابهما حيث كلاهما فقدا الرئاسة بعد فترة واحدة.

لم يقتصر التخلي عن الرئيس ترامب على خصومه فقط من أعضاء الحزب الديمقراطي، بل شمل أيضًا قادة بارزين في الحزب الجمهوري نتيجة لإنتهاجه منهج القمع والعنف ضد المتظاهرين . وجاء ذلك في وقت ظل الحزب الجمهوري متماسكًا إلى حد ما . فمن ناحية أزمة كورونا التي تعامل معها بسخرية في البداية وفشله في إدارة الأزمة حتى انتشر الوباء بشكل كبير جدا في أنحاء البلاد ، ومن ناحية آخرى اتباعه سياسة القمع ضد المتظاهرين . كل ذلك أدى الى انقسامات داخل الحزب نفسه و وجود معارضين لسياسته من داخل الحزب .

خلاصة

لم يكن تصعيد المظاهرات الاحتجاجية في الولايات المتحدة الأمريكية مرتبطًا في المقام الأول بمقتل جورج فلويد ولكن كان مقتله بمثابة الفتيل الذي أشعل تلك الاحتجاجات . كانت الدوافع متعلقة بعنف الشرطة والتمييز وعدم المساواة ، والمناخ السياسي العام الذي نتج عن وجود الرئيس ترامب في السلطة . وقاعدة هذه الاحتجاجات التي تعبر بشكل أساسي عن الرغبة في التغيير ، وخاصة فيما يتعلق بضرورة تحقيق المساواة والعدالة في المجتمع.

و غالبًا ما يحدث التغيير الحقيقي فقط من الأسفل إلى الأعلى . فإن التعبئة على الصعيد الوطني ردا على مقتل جورج فلويد - وغيره من الرجال والنساء السود - هي رمز لبداية هذا النوع من الحركة. و على الرغم من توقف الاحتجاجات الأمريكية وهدوء الموقف الآن، إلا أنها قد تظل تتكرر مرة آخرى في حالة تأجيل تلك القرارات التي وعدت بها السلطة ، والتي تتعلق بفرض قيود على رجال الشرطة تمنعهم من استخدام القوة بدون محاكمة . و لكن كل هذا لا يعني أنه تم القضاء على ظاهرة التمييز العنصري كليا ، لأنه سلوك مزمن ومدموج في الحمض النووي الأمريكي من سابق الأزمنة .

وكل تلك الأحداث الحاسمة والصعبة التي يمر بها ترامب بالإضافة إلى فشل إدارته في التعامل مع وباء كورونا قد تؤدي بشكل ملحوظ إلى انخفاض شعبية الرئيس في الانتخابات القادمة . ولكن هناك جنود خفيون يتمثلون في جماعات الضغط أو اللوبي ، وقد يكون لهم دور فعال في التأثير على عملية صنع القرار و قلب المشهد الانتخابي لصالح ترامب ، خصوصا أن هناك توافق كبير بين ترامب وبين تلك الجماعات .
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات