القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار





بقلم: محمد ابو النصر

"كل كيان سياسي هو في الأصل نظام، نظام لتوزيع المسؤوليات ومساحات النفوذ، وكل نظام سياسي يحتاج أيضًا احتياج للشرعية، والشرعية في السياسة إنما هي مبرر الوجود والغاية المرجوّة، لماذا أنت موجود وما الذي ترجو تحقيقه من وراء بقائك؟ 

إذًا ما استطاع أية نظام سياسي أن يوفر إجابة مقنعة على هذا التساؤل؛ فقد حصل بذلك على رخصة وجوده وشرعية بقائه." 

كان ذلك ملخص لخبرة المعلم الكبير الأستاذ "محمد حسانين هيكل" في معرض حديثه عن الشرعية السياسية ومقومات ديمومة النظم وأسباب انهيارها. 

وإذا ما نظرنا إلى التاريخ نجده خير معلم، فحينما اندلعت حرب فلسطين وفشلت الأنظمة العربية في تحقيق أية إنجاز ملموس؛ أصبحت تلك الأنظمة عارية أمام شعوبها، لم يعد هناك مبرر لبقائها، فشلت تلك الأنظمة أولًا في إجلاء الاستعمار الأجنبي عنها، ثم ما لبثت أن فشلت في مقاومة استعمار إستيطاني صهيوني جديد؛ هو أشد عنفا وهمجية من سابقيه، حينها وجدت شعوب المنطقة أنه لا طائل من بقاء تلك الأنطمة التي نخرها السوس فقوض كل أمل في قيامها من جديد، لذلك لم يكن غريبًا أن تبدأ تلك الأنظمة بالتهاوي واحدًا تلو الآخر في خمسينيات القرن المنصرم، تهاوت تلك الملكيات لا لشيء؛ إلا لأنه رسخ في وجدان الشعوب أفرادًا وجماعات، أنه لم يعد هناك ما يبرر وجودها؛ كانت ببساطة قد فقدت شرعيتها. 

لننتقل الآن من الماضي إلى الحاضر؛ فدراسة التاريخ ليست محض هواية أو قصص لما قبل النوم وإنما غايتها السامية استشراف المستقبل، وتطبيع العلاقات بين الإمارات العربية ودولة الاحتلال لم يكن إلا مقدمة لسلسلة من التطبيعات -إن جاز التعبير- العربية في المستقبل القريب. البحرين، وعمان، والسودان، وربما دول عربية أخرى في المشرق والمغرب ضمن قائمة التوقعات. 

برر الإماراتيون جريرتهم بحماية مصالح الفلسطينيين ومنع ضم مزيد من الأراضي في الضفة وربما هي عين التبريرات التي سيستخدمها بقية المنتظرين في طابور التطبيع، بينما يرى محللون: أن السبب هو تخوف أمراء وملوك الخليج من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة إضافة إلى النفوذ التركي، والجماعات المسلحة؛ وحيث أن الخليجيين اعتادوا على توكيل آخرين بالدفاع عنهم، فقد قرروا أن يكون هذا الطرف المدافع هو دولة الاحتلال. إذا ما كان الصهاينة موكلون بالدفاع أو المساهمة بالدفاع عن حكام الخليج فينبغي أن يطرح سؤالان؛ فأما السؤال الأول - هل يمتلك هؤلاء القوة للوقوف في مواجهة إيران وتركيا؟ الحقيقة أن دولة الاحتلال أصغر وأقل رسوخًا من كل من إيران وتركيا، إيران وتركيا بلدين كبيرين في الإقليم وقديمين قدم التاريخ ويمتلكان من الموارد والقدرات المادية والمعنوية ما يفوق الكيان، هذا الكيان عاجز عن إيقاف الفلسطينييين عن إحداث القلاقل والمطالبة بحقوقهم المسلوبة فأنّى له أن يقف بوجه عملاقين إقليميين كإيران وتركيا، والحقيقة أنه لم يكن بالإقليم من هو قادر على مجابهتهما سوى مصر والعراق: اللذين يقبعان تحت وطأة ظروف هي الأسوأ في تاريخهما الحديث، وأما السؤال الثاني وهو الأكثر أهمية وإلحاحًا - ما الدوافع التي تجبر دولة الاحتلال على الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران أو تركيا؟ لا توجد أسباب حقيقية للكراهية بين الطرفين وكل ما هنالك من ضغينة فهو بسبب التنافس الإقليمي المحموم لتوسيع نفوذهما في أرض العرب ومن المتوقع أن يصل الطرفان إلى صيغة اتفاق لتوزيع النفوذ بينهما وبالتأكيد سيكون ذلك على حساب العرب الذين لن يجدوا لهم حليفًا سوى أنفسهم في نهاية المطاف. سبق وأن توصل كل من إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق في عصر أوباما رغم ما بينهما من خلاف، ومن المتوقع أن يتكرر الأمر بين إيران ودولة الاحتلال لأنهما ليسا عدوين حقيقيين، كما أن الجغرافيا والمسافة بينهما تحولان دون وقوع الصدامات الكبيرة وربما تتنازل إيران عن شيء من نفوذها في أي من البلدان العربية لترضية دولة الاحتلال في آخر الأمر. القول الفصل: أن إيران والكيان ليسوا أعداء وإنما مجرد متنافسين إقليميين لا أكثر وهو ما ينطبق على تركيا بطبيعة الحال. 

إذا كانت دولة الاحتلال غير مستعدة للدخول في حرب لأجل عيون العرب مع أية طرف، وكان العرب لن يجنوا من تطبيعهم فائدة تذكر؛ فما هي عواقب التطبيع؟ العواقب التي لا فرار منها هي ما سبق وذكرناه أول مقالنا هذا، سيصبح النظام العربي الرسمي عاريا أمام الجماهير ولن يصبح لبقائه أي مسوغ أو فائدة مرجوّة، وهو تماما ما حدث عقب حرب فلسطين؛ وأدى لانهيار النظام العربي الإقليمي بالكامل في غضون أعوام عبر سلسلة من الثورات والانقلابات العسكرية التي عصفت بالمنطقة، والانهيار هو المصير الذي وإن كنا نرجو عدم وقوعه إلا أنه واقع لا محالة. 



بقلم: محمد أبو النصر
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات