القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار



بقلم: مصطفى سعد الدين

لن أتحدث عن تلك الجملة إذاعيًا هنا، أعني أنني لن أسرد لك تاريخ الإذاعة المصرية وأن تلك الجملة هي أول ما افتتحت به الإذاعة إرسالها.. أنت تعرف هذا كله، ابحث في الإنترنت وستجد ما يسرك. 

سأحدثك هنا عن القاهرة، تلك المدينة التي لم أغادرها إلا قليلاً، المدينة المزدحمة بالسيارات والناس والأفكار، تلك الصغيرة الحزينة العتيقة التي تجد فيها البؤس رغم الجمال، والجمال رغم البؤس. 

بعد الفجر بحوالي نصف ساعة، ستستمع إلى صوت الطبيعة وهي تغني لحناً جميلاً بينما يداعب أنفك نسيم الهواء، تأمل كل هذا جيدًا لأن أول سيارة ستمحو ذلك كله، لتبدو لك القاهرة على حقيقتها. 

إنها مدينة لا ترحم أحدًا، سياراتها المسرعة بعرض الشارع بينما يسير الناس بطوله لا تعطيك أي فرصة للتأمل أو التفكير، فحينما تنظر إلى شيء ما في مكان، من فضلك انتبه، فقد تداهمك سيارة على الجانب الآخر، لتصبح بعدها في عداد الموتى ويُتبع اسمك الكريم بكلمة (الله يرحمه)، أما إذا وقف الطريق فإنك تسمع أصوات آلات التنبيه مقززةً تعلو الأفق ويعلو معها صوت سباب السائقين وحركات بحلوقهم لا أحتاج إلى إيضاحها لك. 

أما إن قررت ركوب إحدى السيارات الأجرة، فإنك تصاب بالذهول، فترى بعض السائقين وقد استمتعت أدمغتهم بقدر وافر من التوسيفان أو الاستروكس، فتجده قد أشغل أغنية ما أو مهرجان يهز السيارة هزا، لابد أن المسكين الذي قعد بجانب السماعات قد دعت عليه أمه في ساعة فجرية، ثم تأتي فقرة (خناقة الفكة) وهي عندما يُحَصِّل السائقُ الأجرة من الركاب، فهم لا يجدون الفكة الباقية وتلك أول طلعة للسائق في هذا اليوم، وهناك بعض الطرق المتعرجة التي تشعر راكب السيارة الأجرة بأنه في أرجوحة، لا شَكَّ أن الذي ينام في سيارة كهذه، وخصوصا لو كان جالسا في الكرسي الخلفي، كائن فضائي من طراز فريد، وكُلَّما كانت مناطق انطلاق السيارات أفقر، كانت تلك السيارات مهتَرِأة، أنتَ تركَبُ قَفَصَ دجاجٍ لا سيارة. 

أما مترو الأنفاق فهو قصة أخرى، بل هو مخزن قصص ربما يحتاج إلى مقال آخر، فعندما يركبه الناس ذاهبين إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم صباح كل يوم، تشعر أنك وُضِعْتَ في علبة ثقاب، وقد يوقعك حظك العَثِر في براثن النشالين ليفعلوا بك الأفاعيل، أذْكُرُ أَنَّ أحدَ المتسولين صعد إلى المترو صباحاً، تُراهُ قد ظَنَّ أَنَّ المارَّة سيعطونهُ أموالًا أكثر فكانَ عِقابُهُ أن ظل يسيرُ بينَ الواقفين في المترو ببطء، لابد أَنَّهُ لو تسابَقَ مع سلحفاة لفازت بالمركز الأول بينما ينعم هو بالخسارة، أما البنات والسيدات فإن حظوظ بعضهن العَثِرة قد توقعهن فريسةً للمتحرشين واللصوص. 

ولن أذكر القاهرة دون أن أمشي بك إلى مجمع التحرير، إنه مجمع بائس، بل هو أكثر المصالح الحكومية في مصر بؤسا، إنه يَعِجُّ بالبشر، حتى لكأنك تشعر بأنه مترو أنفاق آخر يرتاده الملايين لقضاء حوائجهم، وهو كذلك يعِجُّ بالأوراق أكثر من الناس، فتجد الموظف يجلس وحوله كوم من الورق لا يكاد يظهر وجهه من كثرته، ولو ظَهَرَ فإِنَّ الشيطان سيكونُ مَظْهَرُهُ أكثرَ جمالًا من مُحَيّا ذلك الموظف العبوس أو تلك، إنَّ (مادام عفاف) التي تقبع في الدور الرابع تَنْظُرُ إلى الناس ببالغ البؤس، فهي قد استمتعت بعلقة ساخنة من زوجها (الأستاذ صفوت) وتريد أن تطبُخَ لَهُ الملوخية كما يريدها هو لكي لا تستمتِعَ بالعلقة ذاتها، وهي تنفث كل هذا في وجهك وهي تقول في غيظ: "اطلع عند مادام عدلات في الدور الخامس"، وعدلات لديها المشكلة نفسها على الأرجح ودواليك. 

قد تسألني قارئة عزيزة، هذا القبح فأين الجمال؟ 

الجمال في هذه المدينة تجدينه كلما دخلتِ حارةً أو زقاقا من أزقتها الضيقة، حسبكِ مشاهدةُ مباراة القمة بين فريقين من الأطفال وقد أظهروا مهاراتهم في اللعب، وكأن الكرة مطيعةٌ لأوامر أرجلهم الصغيرة، مظهر آخر تجدينه على كورنيش النيل، لا أقول حيث المراكب وبائعي الذُرة وحُمُّص الشام، ثَمَّةَ جمالٌ آخر، قفي على النيل وتأمليه جيدًا، دَعيهِ يحكي لَكِ التاريخ، خصوصا تلك اللحظة التي فُتِحَ فيها كوبري قصر النيل ليصقط كل من عليه شهداء، لقد كانوا يتظاهرون ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وتلك كانت جريمتهم بالتأكيد، تَرَيْنَهُ يهتز فتقولين في قرارةِ نفسكِ، اثبت أيها الجسر، فإِنَّ تَحْتَكَ شُهداء. 

ثَمَّةَ جمالٌ آخر تجده في منطقة شارع المعز والحسين، رائحة البخور والعطارة تفوح من كل مكان لتخبرك أن وقود السيارات لن يؤثر فيها أبداً، أصواتُ البائعين ومكبرات صوت المساجد تُشِعُّ جمالاً آخرَ لا تراه أنت، بل تراهُ روحُك.. كل شيءٍ لهُ لغة، لُغَةُ التاريخِ والصمود أَبَتْ إلا أن يعلو صوتها لتصل إلى السماء وكأَنَّ الجمال هناكَ يدعوكَ إلى الجلوس معه على قهوة بلدي لتسمعَ أصواتَ أوراق الدومينو وحركة النرد على رقعة الطاولة الخشبية. 

أَعُودُ فأقول: القاهرةُ مدينةُ المتناقضات، ولا أدري أهذا جمالٌ أَمْ قُبْح، وهي كذلك مدينةٌ صاخبة، حفلاتُ الزفافِ لها صَخَب، أصوات ورش الحدادة لها صَخَب، االدعايا الانتخابية لمرشحي المجالس المختلفة لها صَخَب، حتى المآتم التي من المفترض أَنْ تُطْبَعَ بِهيبةِ الموت وجلاله، لها صَخَبٌ هي الأخرى. 

لكنَ القاهرةَ مدينةٌ تُجيدُ السرد، تَعْرِفُ كيفَ تبدأُ القصة، وَتَحْفَظُ التاريخَ حِفْظاً، اسمع صوتَ ماضيها في تلاوات الشيخ محمد رفعت، واقرأه في كتب رضوى عاشور، ثُمَّ قُلْ لي أينَ أَنْت من كل ذلك، ويا حبذا لو زرت القاهرة على الطبيعة وتأملْتَ القُبْحَ والجمالَ معاً. 

أقولُ هذا قبل أَنْ يُسْحَبَ لَقَبُ العاصمة من القاهرةِ ويُصْبِحَ تاريخا لتوثيقِ بعضِ ما يجبُ تَوثيقُه، لم أحكي لَكَ كُلَّ ما يجبُ علَيَّ سَرْدُهُ بطبيعةِ الحال، وقد أَقَعُ يوماً في براثن موظفي مجمع التحرير أو في سيارةٍ مهتَرِأةٍ أو في مترو الأنفاق.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات