القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

ظاهرة التحرش في مصر.. بين تحليل الموقف وتحديد البدائل

 

بقلم/ منة الكامل

تعد مشكلة التحرش من المشكلات الجديدة على المجتمع المصري المحافظ بطبعه، الذي يعرف بقيمه وتدينه, ومع تفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية ازدادت ظاهرة التحرش الجنسي بوصفها ظاهرة ناتجة عن المشكلات الاجتماعية، وفي مقدمتها غياب دور الأسرة في التنشئة وضعف دور المؤسسات الدينية وعدم تجديد الخطاب الديني, هذا بالإضافة إلى المشكلات الاقتصادية الذي نتج عنها تأخر سن الزواج.

أولا: تحليل الموقف

كان لوقت طويل يعد التحرش أحد المحرمات التي لا يجب التحدث عنها، بل ولم يكن الناس يستخدمون كلمة تحرش, لكن هذا لا يعد مبررا لتجاهل ظاهرة التحرش, والأهم من هذا أن التحرش الجنسي ليس أمرا غير مألوف, فتتعرض له المرأة المصرية يوميا في الشارع.

إن التحرش الجنسي في مصر مشكلة ما زالت تبحث عن حل؛ ففي دراسة أجرتها منظمة الأمم المتحدة للمرأة, اتضح أن 99.3 % من النساء المصريات اللواتي استُجوِبْنَ تتعرضن للتحرش الجنسي في حياتهن اليومية. ووفقا لدراسة أعدها المركز المصري لحقوق المرأة عام 2008م, أقرت أن 83% من النساء اللاتي شملهن الاستطلاع تعرضن لشكل من أشكال التحرش الجنسي, كما تعرضت 46% من هؤلاء النساء للتحرش الجنسي بشكل يومي. و62% من الرجال الذين شملهم مسح أجراه المركز المصري لحقوق المرأة اعترفوا أنهم ارتكبوا التحرش من قبل. ووفقا لدراسة أجريت عام 2008م, وجد ان 69% من حوادث التحرش في الشوارع, و49.1% في وسائل النقل العام، و42.4% في الحدائق والمقاهي, و29% في المؤسسات التعليمية و19.8% في الشواطئ. ومن الجدير بالذكر أن 75% من الأشخاص الذين يقدمون بلاغات عن التحرش لخريطة التحرش ذكروا أنهم لم يتلقوا أية مساعدة من الناس الذين شهدوا الحادث.

أظهرت أيضا دراسة منظمة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2013م, أنه في 85% من حالات التحرش الجنسي, لم يتدخل أي من المارة والأشخاص لتقديم المساعدة.

إن القضية لا تتمثل في الملابس أو السلوك لدى النساء والفتيات, فقد يجري بشكل يومي مضايقة النساء بطرق لا تعد ولا تُحصى, فالكثير من النساء اللاتي تعرضن للتحرش يرتدين الحجاب أو النقاب, فالنساء المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي بغض النظر عن الملابس أو المظهر. ان أكثر من 60% من الرجال في مصر يقرون بارتكابهم ممارسات التحرش الجنسي ضد النساء, والغالبية منهم يلقون باللوم على المرأة في ذلك لأنها تستدعي هذا السلوك, فهي تستمتع به أو ترتدي ملابس غير محتشمة وهو ما يدفع الشباب إلى التحرش بهن. ان حوادث التعدي على الفتيات سواء بالتحرش الجسدي أم بالألفاظ والكلمات الخادشة للحياء العام تفشت بشكل وبائي, والغريب أن هذا الأمر لم يعد مقتصرا على الفتيات الجميلات فحسب, وإنما بدأت تعاني النساء والفتيات المحجبات من مختلف الأعمار من هذه الظاهرة, كما أن هذا يحدث في الشارع والمواصلات العامة وأماكن العمل والجامعات وأمام المدارس. هناك تفسيرات عديدة لتفاقم هذه الظاهرة؛ فالبعض يرى أن سبب ذلك انتشار الفقر وتزايد معدلات البطالة بين الشباب، وهو ما يتسبب في تأخر سن الزواج ويزيد من حالة الكبت الجنسي لدى الشباب العاجز عن توفير متطلبات الزواج, وهو ما يدفعه للتنفس من خلال هذه السلوكيات الشاذة, كما يرى البعض الأخر أن سبب ذلك هو غياب دور الأسرة التربوي, وتزايد تأثير وسائل الأعلام الماجنة.

ثانيا: التشريع في مصر

هناك أكثر من مادة في قانون العقوبات تعاقب كل من تسول له نفسه الإتيان بمثل هذه الأفعال المشينة، مثل هتك العرض أو انتهاك حرمة الآداب العامة أو الفعل الفاضح أو إفساد الأخلاق..

فالمادة 268 من قانون العقوبات تقر بأن كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يُعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث إلى سبع سنوات, وإذا كان عمر من وقعت عليه الجريمة لم يبلغ ست عشرة سنة كاملة, أو كان مرتكبها ممن نُصَّ عليهم في الفقرة الثانية من المادة نفسها، فيجوز رفع مدة العقوبة إلى الحد الأقصى المقرر للأشغال الشاقة المؤقتة, وإذا اجتمع الشرطان معا يُحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة.

وهناك المادة 278 من قانون العقوبات التي قررت: كل من فعل علانية فعلا فاضحا مخلا بالحياء يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو غرامة لا تتجاوز 300 جنيه مصري, وكذلك نص المادة 279 من قانون العقوبات التي قررت: يعاقب بالعقوبة السابقة كل من ارتكب مع امرأة أمرا مخلا بالحياء ولو في غير علانية.

وفي عام 2014م صدر قرار بقانون بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات , فقد نصت المادة الأولى منه على أن:ـ

بالاستناد لنص المادة 306 مكرر (أ) من قانون العقوبات الصادر رقم 58 لسنة 1937م النص الآتي:

"يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد عن خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أم بالقول أم بالفعل أم بأية وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية واللا سلكية. تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد عن عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليه.

مادة 269 مكرر: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على شهر كل من وجد في طريق عام أو مكان مطروق يحرض المارة على الفسق بإشارات أو أقوال، فإذا عاد الجاني إلى ارتكاب هذه الجريمة خلال سنة من تاريخ الحكم عليه في الجريمة الأولى فتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وغرامة لا تتجاوز خمسين جنيها، ويستتبع الحكم بالإدانة وضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة.

إن معدلات التحرش الجنسي في مصر بدأت في الازدياد منذ ثورة 25 يناير 2011م؛ إذ وقعت عدة حوادث تحرش جماعي في القاهرة. وحتى يومنا هذا لم يكن القانون المصري يحتوي على تعريف لجريمة التحرش رغم أن 99% من المصريات تعرضن لشكل من أشكال التحرش الجنسي حسب دراسة أجرتها الأمم المتحدة عام 2013م.

ان جرائم العنف الجنسي شملت اغتصابات جماعية واعتداءات جنسية جماعية بالآلات الحادة. فإن التصدي لهذه الظاهرة يحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة لمكافحتها والتصدي لها, وأيضا تشريع قوانين تكون أكثر صرامة, لأن هذه الجريمة ينتج عنها تداعيات مأساوية متمثلة في جرائم قتل واغتصاب جماعي واعتداءات جنسية جماعية في المناطق التي تشهد ازدحاما.

إن الهدف الأساسي المفترض إنجازه من معالجة تلك المشكلة هو: وضع قوانين رادعة لمواجهة المتحرشين، وأيضا وضع قوانين تحمي الضحية من التهديدات التي تتعرض لها من قبل الجناة، وعدم إلقاء اللوم على لبس النساء والفتيات، أي عدم وجود أي تبرير يبرر للجاني قيامة بهذه الجريمة المخلة, وذلك حتى نتمكن من القضاء على التحرش نهائيا في مصر.

ثانيا: البدائل:

سيتم وضع بدائل تجمع بين أدوار متعددة منها الدور الحكومي والدور التشريعي ودور المجتمع المدني إلى جانب الدور الإعلامي وذلك على الوجه التالي:-

1-  تغليظ العقوبات المنصوص عليها في القانون.

2-  عمل برنامج تليفزيوني يعرض صور المحكوم عليهم في قضايا تخص التحرش حتى يكونوا عبرة أمام المجتمع.

3-  وضع تشريع جديد يجمع مواد قانون العقوبات وقانون الطفل في قانون موحد للتحرش الجنسي.

4-   عمل حملات توعية بشكل مستمر بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني التي تتبنى مناهضة التحرش.

5-  فرض عقوبة صارمة فورية على المتحرش بمجرد القبض عليه, كأن تكون مثلا فرض عقوبة مالية كبيرة.

ثالثا: التوصيات

انطلاقا من اشكالية التحرش في مصر التي أصبحت تمثل هاجسا يتحدى القيم والأخلاق المصرية الأصيلة, توصي ورقة السياسات بالعمل على تطبيق البديل الأول والأخير بشكل عاجل, لما لهما من أهمية بالغة في الحد بل والقضاء بشكل نهائي على ظاهرة التحرش في مصر.

 


أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات